Skip to main content
search

دُموعٌ أَجابَت داعِيَ الحُزنِ هُمَّعُ

تَوَصَّلُ مِنّا عَن قُلوبٍ تَقَطَّعُ

عَفاءٌ عَلى الدُنيا طَويلٌ فَإِنَّها

تُفَرِّقُ مِن حَيثُ اِبتَدَت تَتَجَمَّعُ

تَبَدَّلَتِ الأَشياءُ حَتّى لَخِلتُها

سَتَثني غُروبَ الشَمسِ مِن حَيثُ تَطلَعُ

لَها صَيحَةٌ في كُلِّ روحٍ وَمُهجَةٍ

وَلَيسَت بِشَيءٍ ما خَلا القَلبَ تُسمِعُ

أَإِدريسُ ضاعَ المَجدُ بَعدَكَ كُلُّهُ

وَرَأيُ الَّذي يَرجوهُ بَعدَكَ أَضيَعُ

وَغودِرَ وَجهُ العُرفِ أَسوَدَ بَعدَما

يُرى وَكَأَنَّهُ كَعابٌ تَصَنَّعُ

وَأَصبَحَتِ الأَحزانُ لا لِمَبَرَّةٍ

تُسَلِّمُ شَزراً وَالمَعالي تُوَدِّعُ

وَضَلَّ بِكَ المُرتادُ مِن حَيثُ يَهتَدي

وَضَرَّت بِكَ الأَيّامُ مِن حَيثُ تَنفَعُ

وَأَضحَت قَريحاتُ القُلوبِ مِنَ الجَوى

تُقاظُ وَلَكِنَّ المَدامِعَ تُربَعُ

عُيونٌ حَفِظنَ اللَيلَ فيكَ مُجَرَّماً

وَأَعطَينَهُ الدَمعَ الَّذي كانَ يُمنَعُ

وَقَد كانَ يُدعى لابِسُ الصَبرِ حازِماً

فَقَد صارَ يُدعى حازِماً حينَ يَجزَعُ

وَقالَت عَزاءً لَيسَ لِلمَوتِ مَدفَعٌ

فَقُلتُ وَلا لِلحُزنِ لِلمَوتِ مَدفَعُ

لِإِدريسَ يَومٌ ماتَزالُ لِذِكرِهِ

دُموعٌ وَإِن سَكَّنتَها تَتَفَرَّعُ

وَلَمّا نَضا ثَوبَ الحَياةِ وَأَوقَعَت

بِهِ نائِباتُ الدَهرِ ما يُتَوَقَّعُ

غَدا لَيسَ يَدري كَيفَ يَصنَعُ مُعدِمٌ

دَرى دَمعُهُ في خَدِّهِ كَيفَ يَصنَعُ

وَماتَت نُفوسُ الغالِبِيّينَ كُلِّهِم

وَإِلّا فَصَبرُ الغالِبِيّينَ أَجمَعُ

غَدَوا في زَوايا نَعشِهِ وَكَأَنَّما

قُرَيشٌ قُرَيشٌ يَومَ ماتَ المُجَمِّعُ

وَلَم أَنسَ سَعيَ الجودِ خَلفَ سَريرِهِ

بِأَكسَفِ بالٍ يَستَقيمُ وَيَظلَعُ

وَتَكبيرُهُ خَمساً عَلَيهِ مُعالِناً

وَإِن كانَ تَكبيرَ المُصَلّينَ أَربَعُ

وَما كُنتُ أَدري يَعلَمُ اللَهُ قَبلَها

بِأَنَّ النَدى في أَهلِهِ يَتَشَيَّعُ

وَقُمنا فَقُلنا بَعدَ أَن أُفرِدَ الثَرى

بِهِ ما يُقالُ في السَحابَةِ تُقلِعُ

أَلَم تَكُ تَرعانا مِنَ الدَهرِ إِن سَطا

وَتَحفَظُ مِن آمالِنا ما يُضَيَّعُ

وَتَلبَسُ أَخلاقاً كِراماً كَأَنَّها

عَلى العِرضِ مِن فَرطِ الحَصانَةِ أَدرُعُ

وَتَبسُطُ كَفّاً في الحُقوقِ كَأَنَّما

أَنامِلُها في البَأسِ وَالجودِ أَذرُعُ

وَتَربُطُ جَأشاً وَالكُماةُ قُلوبُهُم

تَزَعزَعُ خَوفاً مِن سُيوفٍ تَتَزَعزَعُ

وَأُمنِيَّةُ المُرتادِ تُحضِرُكَ النَدى

فَيَشفَعُ في مِثلِ المَلا فَيُشَفَّعُ

فَأُنطِقَ فيها حامِدٌ وَهوَ مُفحَمٌ

وَأُفحِمَ فيها حاسِدٌ وَهوَ مِصقَعُ

أَلا إِنَّ في ظُفرِ المَنِيَّةِ مُهجَةً

تَظَلُّ لَها عَينُ العُلى وَهيَ تَدمَعُ

هِيَ النَفسُ إِن تَبكِ المَكارِمُ فَقدَها

فَمِن بَينِ أَحشاءِ المَكارِمِ تُنزَعُ

أَلا إِنَّ أَنفاً لَم يَعُد وَهوَ أَجدَعٌ

لِفَقدِكَ عِندَ المَكرُماتِ لَأَجدَعُ

وَإِنَّ اِمرِءاً لَم يُمسِ فيكَ مُفَجَّعاً

بِمَجلودِهِ في عَقلِهِ لَمُفَجَّعُ

أبو تمام

أَبو تَمّام (188 - 231 هـ / 788-845 م) هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أحد أمراء البيان، في شعره قوة وجزالة، واختلف في التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتري.

Close Menu

جميع الحقوق محفوظة © عالم الأدب 2024