ذكر عوانة بن الحكم: أن عبد الملك بن مروان صنع طعاماً، فأكثر، وأطاب ودعا الناس، فأكلوا، فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام وما أكثره، وما أظن أحداً أكل أطيب منه. فقال أعرابي من ناحية القوم: أما أكثر، فلا! وأما أطيب فقد أكلت أطيب منه. فطفقوا يضحكون، فأشار إليه عبد الملك، فدنا منه،
فقال: ما أنت لما تقول بحقيقٍ. قال: بلى، يا أمير المؤمنين؛ بينا أنا بهجر في ترابٍ أحمر في أقصاها حجراً إذ توفي أبي وترك كلا وعيالاً ونساء ونخلاً، وفي النخل نخلةٌ لم ير الناظرون مثلها، كأخفاف الرباع ولم ير تمرٌ قط أغلظ لحماً ولا أصغر نوىً، ولا أحلى حلاوةً منها.
وكانت أتانٌ وحشيةٌ قد ألفت تلك النخلة، فتثبت برجليها، وترفع يديها وتعطو بفيها، وكادت تنفذ ما فيها، فانطلقت بقوسي وكنانتي وأسهمي وزندي، وأنا أظنني أرجع من ساعتي، فمكثت يوماً وليلة، حتى إذا كان السحر، أقبلت فرميتها فأصبتها، ثم عمدت إلى سرتها، فأبرزتها، ثم عمدت إلى حطبٍ جزلٍ فجمعته، وإلى رضفٍ فوضعته، وإلى زندي فأوريته، ثم ألقيت سرتها في ذلك الحطب ثم أدركني النوم فنمت، فلم يوقظني إلا حر الشمس، فانطلقت فكشفتها وألقيت عليها من رطب تلك النخلة من مجزعه ومنقطه فسمعت لها أطيطاً كتداعي قطاً وغطيطا، ثم أقبلت أتناول الشحمة واللحمة والتمرة،
فقال عبد الملك: لقد أكلت طيباً، فمن أنت؟ قال: أنا رجل جانبتني صأصأة اليمن، وعنعنة تميم وأسد، وكشكشة ربيعة، وتأنيث كنانة.
العنعنة: إبدال العين من الهمزة في مثل قول ذي الرمة: البسيط
أَعِنْ تَوَسّمت من خَرقاءَ منزلَةً، ... ماءُ الصّبابةِ مِنْ عَينَيك مَسْجُومُ
والكشكشة: إبدال الشين المعجمة من الكاف نحو: عليش وبش في موضع عليك وبك.
قال عبد الملك: فمن أنت؟ قال: أنا رجلٌ من أخوالك بني عذرة، قال عبد الملك: أولئك من أفصح العرب، فهل لك من معرفةٍ بالشعر؟ قال: سل عما بدا لك يا أمير المؤمنين،
قال: أي بيتٍ قالت العرب أمدح؟ قال: قول الشاعر: الوافر
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا، ... وَأَنْدَى العالَمِيْنَ بطونَ راحِ؟
قال: وكان جرير في القوم، فتحرك ورفع رأسه. قال عبد الملك:
فأي بيتٍ قالت العرب أفخر؟ قال قوله: الوافر
إذا غضِبْتْ عليْكَ بَنو تَميمٍ ... وَجَدْتَ النّاسَ كلَّهُمُ غِضَابَا
فتحرك جرير وتطاول. ثم قال عبد الملك:
فأي بيتٍ قالت العرب أهجى؟ قال قوله: الوافر
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُميرٍ ... فلا كَعباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا
فتحرك جرير. قال عبد الملك:
فأي بيتٍ قالت العرب أحسن تشبيهاً؟ قال قوله: الطويل
سَرَى لَهُمُ لَيلٌ كأَنَّ نجُومَهُ ... قَناديلُ فيهنّ الذُّبالُ المُفتَّلُ
قال: فقال جرير: أصلح الله شأن أمير المؤمنين، جائزتي لأخي عذرة؛ قال عبد الملك: ومثلها معها. قال: وكانت جائزة جرير عند الخلفاء أربعة آلافٍ وما يتبعها من كسوةٍ. فخرج الأعرابي وفي يده اليمنى ثمانية آلافٍ وفي يده اليسرى رزمة ثياب.
عندك سؤالٌ حول هذا النص؟
ذُكر في هذا النص
قصائدُ وأبياتٌ ذُكرت
قصص ذات صلة
جمهرة أشعار العرب · الجزيرة العربية / التراث الشعري
أول من قال الشعر
قال محمد: أخبرنا أبو عبد الله المفضل بن عبد الله المحبري قال: سألت أبي عن أول من قال الشعر، فأنشدني هذه الأبيات: الوافر تَغَيّرَتِ البلادُ، ومَن علَيها، ... فَوَجهُ الأرضِ مُغبَرٌّ قَبِيْحُ تغيّر كلُّ ذي لونٍ وطَعمٍ، ..…
أبو زيد القرشي
جمهرة أشعار العرب · الجزيرة العربية / التراث الشعري
الرجال أربعة - الخليل بن أحمد
قدم رجلٌ من فزارة على الخليل بن أحمد وكان الفزاري [tie_tooltip text="عيِيَ في : عاجز عن بيان مُراده بالكلام ، عاجز عن إحكام أمرٍ ما" gravity="n"]عييّا[/tie_tooltip]، فسأل الخليل مسألةً فأبطأ في جوابها، فتضاحك الفزاري،…
أبو زيد القرشي
جمهرة أشعار العرب · الجزيرة العربية / التراث الشعري
قصة شياطين الشعراء - لافظ و هبيد و هاذر
قال ابن المروزي: حدثني أبي قال: خرجت على بعير لي صعبٍ، يمر بي لا يملكني من أمر نفسي شيئاً، حتى مر على جماعة ظباءٍ في سفح جبل على قلته رجلٌ عليه أطمارٌ له، فلما رأتني الظباء هربت، فقال: ما أردت إلى ما صنعت؟…