قال أبو صالح الفزاري: ذكرنا ذا الرّمة، فقال عصمة بن عبد الملك - شيخ منا قد بلغ عشرين ومائة سنة- : إياي فاسألوا عنه؛ كان من أظرف الناس، آدم، خفيف العارضين، حسن الضحك، حلو المنطق، وإذا أنشد جشّ صوته، وإذا راجعك لم تسأم حديثه وكلامه.
وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم مسعود، وهشام وأوفى، وكانوا يقولون القصيدة فيزيد عليها الابيات فتذهب له. فجمعني وإياه مرتبع، فأتاني يوما، فقال لي: هيا: [يا عصمة] ؛ إنّ مية منقرية، وبنو منقر أخبث حيّ، وأقفى للأثر، فهل عندك ناقة نردار عليها مية؟ قلت: واللَّه إنّ عندي الجؤذر. قال: عليّ بها.
فركبنا جميعا وخرجنا حتى أشرفنا على بيوت الحيّ، وإذا ببيت فيه ناحية، والقوم خلوف ، والنساء في الرحال، فعرفن ذا الرمّة فتقوّض النساء إلى مية؛ وجئنا ثم أنخنا، ثم دنونا، فسلمنا وقعدنا نتحدّث؛ فإذا هي جارية أملود ، واردة الشعر، بيضاء تغمرها صفرة، وعليها ثوب أصفر، وطاق أخضر؛ فقلن: أنشدنا يا ذا الرمّة؛ فقال: أنشدهنّ يا عصمة. فأنشدتهنّ:
فقالت ظريفة منهنّ: لكن الآن فلنجل. قال: فنظرت إليها مية متكرهة، ثم مضيت في القصيدة، حتى انتهيت إلى قوله:
فقالت [لها] الظريفة: قتلته قاتلك اللَّه! قالت مية: ما أصحه وهنيئا له! فتنفس ذو الرمّة تنفسا ظننت معه أنّ فؤاده قد انصدع؛
ومضيت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
فالتفتت إليه [ميّة] فقالت: خف عواقب اللَّه! ومضيت في القصيدة حتى انتهيت إلى قوله:
فقالت الظريفة: أما هذه فقد راجعتك، وقد بدا لك الوجه منها، فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت مية إليها فقالت: قاتلك اللَّه، ما أنكر ما تجيبين به! فتحدثن ساعة، ثم قالت الظريفة للنساء: إن لهذين شأنا، فقمن بنا [عنهما. فقامت، وقمن معها] وقمت معهنّ: فجلست في بيت أراهما منه، فما رأيته برح من مقعده ولا قعدته؛ فسمعتها قالت له:
كذبت واللَّه! ولا أدري ما قال لها. فلبثت قليلا ثم جاءني ومعه قارورة فيها دهن ومعه قلائد، فقال: هذا دهن طيب أتحفنا به، وهذه قلائد للجؤذر؛ ولا واللَّه ما أقلدهن بعيرا أبدا!
وشدّ بهن ذوائب سيفه، وانصرفنا؛ فكنا نختلف إليها حتى انقضى الربيع ودعا الناس المصيف؛ فأتاني فقال: هيا عصمة، رحلت ولم يبق إلا الآثار والرسوم من الديار! وأنشدني:
عندك سؤالٌ حول هذا النص؟
ذُكر في هذا النص
قصائدُ وأبياتٌ ذُكرت
قصص ذات صلة
العقد الفريد · مكة / الحجاز
قصة كأني بالمجرّد قد علته نعال القوم أو خشب السواري
قال إسحاق بن إبراهيم: قال لي ابن وهب الشاعر: واللَّه لأحدثنك حديثا ما سمعه مني أحد قط، وهو بأمانة أن يسمعه أحد منك ما دمت حيا.…
ابن عبد ربه
العقد الفريد · بغداد / العراق
قصة العباس بن الأحنف و الجارية التي شغف بها
حدث أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قال: حدثنا محمد بن عامر الحنفي، وكان من سادات بكر بن وائل، وأدركته شيخا كبيرا مملقا، وكان إذا أفاد على إملاقه شيئا جاد به، وقد كان قديما ولي شرطة البصرة، فحدثني هذا الحديث الذي أذكره،…
ابن عبد ربه
العقد الفريد · الأندلس / التراث العربي
قصة دعبل الخزاعي وصريع الغواني مع الجارية
حدثنا أبو سويد بن أبي عتاهية عن دعبل بن علي الشاعر قال: بينا أنا ذات يوم بباب الكرخ وأنا سائر، وقد احتوى الفكر على قلبي في أبيات شعر قد نطق بها اللسان من غير اعتقاد جنان،…
ابن عبد ربه
