كانت الثريا ابنة عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر من شهيرات نساء قريش وأبرعهن جمالا وكمالا، وكان
عمر بن أبي ربيعة
مستهاما بها وكانت تصيف بالطائف، وكان عمر يغدو إليها كل غداة إذا كانت بالطائف على فرسه فيسائل الركبان الذين يحملون الفاكهة من الطائف عن أخبارها فلقى يوما بعضهم فسأل أحدهم عن أخبارهم فقال: ما استطرفنا خبرا إلا أنني سمعت عند رحيلنا صوتا وصياحا على امرأة من قريش اسمها اسم نجم من السماء، وقد سقط علي اسمه فقال عمر: الثريا. قال: نعم، وقد كان بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلة فوجه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ملء فروجه وسلك طريق كداء وهي أحسن الطرق وأقربها حتى انتهى إلى الثريا وقد توقعته وهي تتشوق له وتتشوف، فوجدها سليمة ومعها أختها رضيا وأم عثمان، فأخبرها الخبر، فضحكت وقالت: والله أنا أمرتهم لأختبر ما لي عندك في ذلك فقال هذا الشعر:
وسأل مسلمة بن إبراهيم أيوب بن مسلمة: أكانت الثريا كما يصف عمر بن أبي ربيعة فقال: وفوق الصفة، كانت والله كما قال عبد الله بن قيس:
وحجت رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية فقال فيها عمر:
وبلغت الأبيات الثريا فبلغتها إياها أم نوفل فقالت: إنه لوقاح صنع بلسناه، ولئن سلمت له لأردن من شأوه ولأثنين من عنانه، ولأعرفنه نفسه، وهجرت عمر فلما هجرته قال في ذلك:
فلما سمع ابن عتيق قوله: " من رسولي إلى الثريا فإني" قال: إياي أراد وبي نوه، لا جرم والله لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح بينهما ونهض. قال بلال مولى ابن أبي عتيق: فركب وركبت معه فسار سيرا شديدا فقلت: أبق على نفسك فإن ما تريد ليس يفوتك. فقال: ويحك.
أبادر حبل الود أن يتقضبا
وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا، فقدما مكة ليلا غير محرمين، فدق على عمر بابه، فخرج إليه وسلم عليه ولم ينزل عن راحلته فقال له: اركب، وأصلح بينك وبين الثريا فأنا رسولك الذي سألت عنه، فركب معه وقدموا الطائف وقد كان عمر أرضى أم نوفل، فكانت تطلبت له الحيل لإصلاحها فلم يمكنها فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جمشني المسير من المدينة إليك، فجئتك به معترفا لك بذنب لم يجنه معتذرا من إساءته إليك فدعيني من التعداد والترداد فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله، ورجعوا إلى مكة فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل وزاد عمر في أبياته فقال:
وكانت أم نوفل دعتها لابن أبي عتيق ولو دعتها لعمر ما أجابت:
وأتى عمر الثريا يوما ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصل بذكره في الشعر، فلما كشفت الثريا الستر وأرادت الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت فقال لها: إنه ليس ممن أحتشمه ولا أخفي عنه شيئا واستلقى فضحك، وكان النساء إذا ذاك يتختمن في أصابعهن العشرة، فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها فأصابت الخواتم ثنيتيه العليين وكادت أن تقلعهما، فعالجهما، فشفيتا واسودتا، وكان يفتخر بهما ويعده أثرا عزيزا عنده، وواعدت الثريا عمر أن تزوره فجاءت في الوقت الذي ذكرته فصادفت أخاه الحارث قد طرقه، وأقام عنده ووجه به في حاجة له ونام مكانه وغطى وجهه بثوب فلم يشعر إلا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله فانتبه وجعل يقول: اغربي عني فلست بالفاسق، أخزاكما الله. فلما علمت بالقصة انصرفت ورجع عمر فأخبره الحارث بخبرها فاغتم لما فاته منها وقال: أما والله لا تمسك النار أبدا وقد ألقت نفسها عليك. فقال الحارث: عليك وعليها لعنة الله.
وتزوجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان، وكان عمر بن أبي ربيعة أخرجه مسعدة بن عمر والي اليمن في أمر عرض له وتزوجت الثريا وهو غائب، فلما رجع وجدها نقلت في ذلك اليوم إلى الشام فأتى المنزل الذي كانت فيه وسأل عنها فأخبر أنها رحلت من يومئذ فخرج في أثرها فلحقها في مرحلتين وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر أنكرته عليه، فلما أدركهم نزل عن فرسه ودفعه إلى غلامه ومشى متنكرا حتى مر بالخيمة، فعرفته الثريا وأثبتت حركته ومشيته فقالت لحاضنتها: كلميه، فسلمت عليه وسألته عن حاله وعاتبته على ما بلغ الثريا عنه فاعتذر وبكى فبكت الثريا وقالت: ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرحيل فحادثها إلى طلوع الفجر، ثم ودعها وبكيا طويلا، وقام فركب فرسه ووقف ينظر إليهم وهم يرحلون ثم أتبعهم بصره حتى غابوا وانشأ يقول:
يا صاحبي قفا نستخبر الطللا ... عن حال من حله بالأمس ما فعلا
فقال بالأمس لما أن وقفت به ... إن الخليط أجدوا البين فاحتملا
وخادعتك النوى لما رايتهم ... فيا لفجر يحتث حادي عيسهم رحلا
لما وقفنا نحييهم وقد صرخت ... هواتف البين واستولت بهم أصلا
صدت بعادا وقالت للتي معها ... بالله لوميه في بعض الذي فعلا
وحدثيه بما حدثت واستمعي ... ماذا يقول ولا تعي به جدلا
حتى ترى أن ما قال الوشاه له ... فينا لديه إلينا كله نقلا
وعرفيه به كالهزل واحتفظي ... في بعض معتبة أن تخطئ الرجلا
فإن عهدي به والله يحفظه ... وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا
لو عندنا اعتيب أو نيلت نقيصته ... ما آب معتابه من عندنا جذلا
قلت اسمعي فلقد أبلغت في لطف ... وليس يخفى على ذي اللب من هزلا
هذا أرادت به بخلا لأعذرها ... وقد أرى أنها لن تعدم العللا
ما سمي القلب إلا من تقلبه ... ولا الفؤاد فؤادا غير أن عقلا
أما الحديث الذي قالت أتيت به ... فما عتبت به إذ جاءني تبلا
ما إن أطعت بها بالغيب قد علمت ... مقالة الكاشح الواشي إذا محلا
إني لأرجعه فيها بسخطه ... وقد يرى أنه قد غر بي زللا
وهي قصيدة طويلة وقال فيها أيضا:
وكتب إليها يوما وقد غلبه الشوق:
وكتبه في قوهية وشنفه وحسنه وبعث به إليها فلما قرأته بكت بكاء شديدا ثم تمثلت:
بنفسي من لا يستقل بنفسه ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع
وكتبت إليه تقول:
ولما مات عنها سهيل خرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة بدمشق في قضاء دين عليها فبينما هي عند أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان إذ دخل عليها لوليد فقال: من هذه؟ فقالت: الثريا جاءتني أطلب ليك قضاء دين عليها وحوائج لها فأقبل عليها الوليد فقال: أتروين من شعر عمر بن أبي ربيعة شيئا؟ قالت: نعم، يرحمه الله كان عفيفا أروي قوله:
فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت، فلما خلا الوليد بأم النبين قال لها: لله درك الثريا أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر؟ قالت: لا. قال: إني لما عرضت لها به عرضت لي بان أمي أعرابية وأم والوليد وسليمان ولادة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسي، فلما ماتت الثريا أتى الغريض المغني إلى كثير بن كثير السهمي فقال له: قل لي أبيات شعر أنح بها على الثريا فقال له هذين البيتين:
عندك سؤالٌ حول هذا النص؟
ذُكر في هذا النص
قصائدُ وأبياتٌ ذُكرت
قصص ذات صلة
الأغاني · بغداد / التراث العربي
قصة بيت شعر - غدرت بنا بعد التصافي و خنتنا
الأصمعي قال: أخبرني يزيد بن ضبة مولى ثقيف قال: مرت أعرابية بنادي قوم من بني عامر و فيهم غلام حديث السن ظريف فنكس القوم رءوسهم و جعل الغلام يرمقها فدنت منهم فمازحتهم و أقبلت على الغلام فقالت: شهدت وبيت الله أنك طيب…
أبو الفرج الأصفهاني
الأغاني · بغداد / التراث العربي
أشجع الناس في الشعر - من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني
قال عبد الملك ابن مروان يوماً لجلسائه: أخبروني عن أشجع الناس، قالوا: في الشعر يا أمير المؤمنين، فقال نعم، فقال رجل: عمرو بن الإطنابة،…
أبي الفرج الأصفهاني
الأغاني · بغداد / التراث العربي
قصة بيت شعر - كلام الليل يمحوه النهار
بينما محمد ابن زبيدة يطوف في قصر له إذ مر بجارية له سكرى وعليها مطرف خز وهي تسحب أذيالها من التيه فراودها عن نفسها فقالت يا أمير المؤمنين إنك قد هجرتني مدة ولم يكن عندي علم بموافاتك فانظرني الليلة حتى أتهيأ للقياك وآتيك…
