مقالات

من عاشق سعيد إلى محب يائس _ من كتاب رسائل الى ميلينا

ونحن نقرأ رسائل كافكا التي وصلت إلينا نجد تدرجًا ملحوظًا في حدة العواطف وميلها إلى البرود مع كل رسالة جديدة. ففي بداية الأمر يتبدى جليًا شعور كافكا بارتياح غريب – غريب على من مثله في بؤسه وقلقه أن يحسه- فهو وربما للمرة الأولى تزايله كل أحزانه وتنتعش روحة المتعبة رغم مرضه الجسدي

الآن فقط انقطع المطر الذي دام سقوطه يومين وليلة، مع أن انقطاعه قد لا يستمر سوى لحظة، لكنه مع ذلك حدث يستحق أن يحتفل به المرء، وهذا ما أفعله بالكتابة إليك. إنني أعيش هنا في خير حال، ولا يطيق الجسد الفاني مزيدًا من العناية، وتطل شرفة غرفتي على حديقة محاطة بسور، تزدهر فيها الشجيرات المزهرة، وتتعرض شرفة الغرفة لأشعة الشمس، تزورني في الغرفة السحالي والطيور وأنواع مختلفة من الكائنات، تزورني أزواجًا أزواجًا، إنني أرغب رغبة شديدة في أن تكوني هنا.

وبخلاف الرسائل العادية التي ترسَل للاطمئنان على حال شخص ما أو لغرض الإخبار بشيء، فإن كافكا لم يكن يكتب رسائله لا لهذا الغرض و لا لذاك، بل كان منكبًا على نقل أحداث يومه بشكل حرفي إلى ميلينا، مشاطرًا إياها مشاعره وكأنها تشاركه نفس المكان، وذلك ما يعبر عنه في غير ما مرة

ما شكل تلك الشقة التي كتبت لي منها يوم السبت؟ هل هي فسيحة وخالية؟ هل أنت وحيدة؟ نهارًا وليلًا؟ لا بد أن يكون هذا محزنًا حقًا. على الرغم من صغر حجرتي، فإن ميلينا الحقيقية، تلك التي زايلتك صراحة يوم السبت، توجد معي هنا، وصدقيني إنه شيء رائع جدًا، أن أكون معها. ستكون كذبة بالنسبة لي لو قلت إنني أفتقدك، إنه السحر الكامل، المؤلم، إنك توجدين هنا مثلما أنا هنا، إن وجودك مؤكد أكثر من وجودي، إنك تكونين حيث أكون، وجودك كوجودي، و أكثر كثيرًا من وجودي في الحقيقة.

لكن الإحساس بالسعادة والارتياح لا يدوم طويلًا مع كافكا، فها هي الغيرة تنخر قلبه، ويبدأ كل منهما في إلقاء اللوم على الآخر، كانت كثيرًا ما تلقي اللوم عليه لخوفه الشديد، غير المبرر في كثير من الأحيان، والذي أصبح مسيطرًا عليه حتى أصبح كـتهديد دائم له.

إنني أرتعش فحسب تحت وطأة الهجوم، أعذب نفسي إلى درجة الجنون. في الحقيقة، حياتي، وجودي، إنما يتألف من هذا التهديد السفلي، فلو توقف هذا التهديد لتوقف أيضًا وجودي. إنه طريقتي في المشاركة في الحياة. فلو توقف هذا التهديد، سأهجر الحياة بمثل سهولة وطبيعية إغلاق المرء لعينيه.

مع ازدياد عدد الرسائل، تزداد نوبات الاحتقار الذاتي لدى كافكا والتقليل من شأن نفسه، ويبدأ جلد الذات ومحاولة العودة إليها، ويبدأ كذلك تحليل الأمور ورؤية المآل الذي لا مفر منه

يجب أن تتدبري أنت أيضًا يا ميلينا، نوع الشخص الذي خطا نحوك، إن رحلة الثمانية والثلاثين عامًا تستلقي خلفه، ولما كنت يهوديًا فإن الرحلة في حقيقتها أطول بالفعل من ذلك، فلو أنني عند منعطف عارض تبدى لي في طريقي، قد رأيتك، أنت التي لم أتوقع أن أراك مطلقًا، وأن تجيء رؤيتي لك فوق ذلك متأخرة إلى هذا الحد، عندئذ لا يمكنني يا ميلينا أن أصبح ملوحًا لك، و لا أن يهتف لك شيء في داخلي، و لا أن أقول آلاف الأشياء الحمقاء التي لا أجد لدي شيئًا منها، وأحذف الحماقات الأخرى التي أحس أن لدي منها ما يزيد عن حاجتي

وكما يظهر في رسائله، فإن ميلينا هي الأخرى كانت متقلبة المزاج وقلقة قلقًا يشبه أو ربما يفوق قلق دوستويفسكي (ولا عجب فإنه كان كاتبها المفضل)، بسبب الأجواء العصيبة التي سادت الأوساط الأدبية في فيينا في تلك الفترة، وربما بسبب تأثيره هو أيضًا، كما لو أن المعاناة هي ذلك السلك الرفيع الذي يربطهما، حتى أنها بدأت تتوهم أنها مصابة بمرض الرئة مثله، حتى سقطت فريسة له حقًا. هنا يكتب إليها كافكا كما لو كان هو المصاب، ويصل إحساسه باليأس حدًا لا يطاق:

وهكذا فأنت تشعرين بالمرض كما لم تشعري به منذ عرفتك؟ وهذه المسافة التي لا يمكن اجتيازها، بالإضافة إلى آلامك لتجعلني أشعر كما لو كنت أنا في حجرتك وأنك لا تكادين تتعرفين علي، وأنني أتجول بلا حيلة ذهابًا وجيئة بين الفراش والنافذة، وأحدق في السماء الكئيبة التي بعد كل مرح السنوات المنقضية وبهجتها، تتبدى للمرة الأولى في يأسها الحقيقي، عديمة الحيلة، مثلي تمامًا

قلق ميلينا كان في تزايد أيضًا بسبب علاقتها بزوجها أرنست التي كانت في طور الانهيار. يتردد ذكر اسم زوج ميلينا في الرسائل المتأخرة، حيث يظهر آنذاك جلاء الحقيقة واستحالة بلوغ علاقتهما أية غاية سعيدة.

“ما تعودنا على أن نعتبره خيطًا فاصلًا أصبح الآن حدًا، أو سلسلة من الجبال، أو على نحو أكثر دقة قبرًا”

FavoriteLoading أضف إلى قائمة الاقتباسات المفضلة
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق