يدعو الحمام بها الهديل تأسيا

ديوان ابن الرومي

يدعو الحمامُ بها الهديلَ تأسِّياً

وتبارياً فوق الغصونِ المُيَّسِ

فَمُفَجَّعٌ خلجَ الفراقُ قرينَه

وممتَّعٌ بقرينه لم يَبْأس

متهزِّجٌ بَهجاً بألفةِ شَملِه

هَزَجاً يخفُّ له الوقورُ المجلِس

وشجٍ أماويتُ الشجى في صوته

لأياً تنالُ مسامعَ المتوجِّس

فكأن لذة صوته ودَبِيبَها

سِنةٌ تمشَّى في مفاصل نُعَّس

بان الشبابُ وأيُ جار مَضِنَّةٍ

ودَّعت منه وأيُّ عِلقٍ مُنفِسِ

للَّه درُّ العيش إذ أوطارُهُ

طُرَفٌ وإذ لذَّاته لم تُعْنس

عُذراتُهُ مَختومةٌ وثمارُهُ

مكهُومَةٌ وجديدُه لم يُلْبس

وتصيبُ بَعضَهمُ المصيبةُ مرَّةً

فتنوب نوبتُها أخاه فَيَأتسي

حتى كأن كلومهم مأسُوَّةً

بكلوم إخوتهم تَعادي أنفس

فَبِع الأنيس من الأنيس فبيعُهم

وأبيك أكيسُ للأريب الأكيس

هل ما ترى من منظر أو مَسمعٍ

أو مطعمٍ أو منكحٍ أو مَلْبس

إلّا وهم شركاءُ في مُتعاته

فمَن السليمُ من الشريك الأشْكَس

لا بد للشركاء أن يتشاكسوا

في هذه الخمس التي لم تُسْدَس

فَتَوقَّل النجواتِ من لمم الأذى

واحللْ لكل مَحلَّةٍ لم تُؤنس

إن الحياة نفيسةٌ مَوقوتةٌ

فانفَس بها عما يُريبُك وانفس

لو أن هذا الموتَ لم يَعْمُمْهُمُ

لَتَغاير الموتى سَجيسَ الأوجَس

فَلْينجُ من طَلبَ السلامة منهُمُ

وحبالُهُ بحبالهم لم تُمرس

يسطو بسيف في المخاطبِ ناطقٍ

شَفعٍ بآخر في الضرائب أخرس

هذا يُصمِّم في الفُصوص وذاكُمُ

في أيِّما فصٍّ أصاب وأبؤس

ماضي القضاء يكاد يسبق عَضُّهُ

ظهرَ القَطاة صَليله في القَونَس

أرواحُها الأرواحُ تَمَعج بينها

فترى بها منفُوسةً لم تُنفَس

فإذا أعارتْها الصَبا حركاتِها

أنستْ كأنس الناطق المتنفس

ولقد أديرُ عيونهن كأنني

شمسٌ تدير ضُحىً عيون النرجس

إحدى محابسكَ القديمةِ فاحبسِ

واسأل معاهدها وإن لم تنبس

دلَّت معالمُها على أغفالها

فعرفتُ دارسَها بما لم يدرس

حتى إذا حسرتْ ظلالُ عمايتي

أعرضتُ عنه بصفحةِ المستيئس

لَضَلَلتُ إن أمَّلتُ مرجع ما مضى

أو منطق الربع الأصم الأخرس

نشرت في ديوان ابن الرومي، شعراء العصر العباسي، قصائد

قد يعجبك أيضاً

جدارية لمحمود درويش

هذا هُوَ اسمُكَ / قالتِ امرأةٌ ، وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيِّ… أرى السماءَ هُنَاكَ في مُتَناوَلِ الأَيدي . ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صَوْبَ طُفُولَةٍ أَخرى…

تعليقات