نم بسر الروض خفق الرياح

ديوان صفي الدين الحلي

نَمَّ بِسِرِّ الرَوضِ خَفقُ الرِياح

وَاِقتَدَحَ الشَرقُ زِنادَ الصَباح

وَأَخجَلَ الوَردُ شُعاعَ الضُحى

فَاِبتَسَمَت مِنهُ ثُغورُ الأَقاح

وَقامَ في الدَوحِ لَنَعيِ الدُجى

حَمائِمٌ تُطرِبُنا بِالصِياح

مُذ وُلِدَ الصُبحُ وَماتَ الدُجى

صاحَت فَلَم نَدرِ غِناً أَم نُواح

وَيَومَ دَجنٍ حُجِبَت شَمسُهُ

وَأَشرَقَت في لَيلِهِ شَمسُ راح

فَما ظَنَنّا الصُبحَ إِلّا دُجىً

وَلا حَسِبنا اللَيلَ إِلّا صَباح

وَقابَلَت نورَ الضُحى أَوجُهٌ

لِلغيدِ تَبغي في الصَباحِ اِصطِباح

فَظَلتُ ذا النورَينِ في مَجلِسي

مِن وَجهِ صُبحٍ وَوُجوهٍ صِباح

وَشادِنٍ إِن جالَ ماءُ الحَيا

في مُقلَتَيهِ زادَهُنَّ اِتِّقاح

يُسكِرُنا مِن خَمرِ أَلحاظِهِ

وَيَمزُجُ الجِدَّ لَنا بِالمُزاح

مِن لَحظِهِ يَسقي وَمِن لَفظِهِ

وَريقِهِ خَمراً حَلالاً مُباح

نَواظِرٌ تُعزى إِلَيها الظُبى

وَقامَةٌ تُعزى إِلَيها الرِماح

يا عاذِلي في حُسنِ أَوصافِهِ

وَمُسمِعي وَصفَ الفَتاةِ الرَداح

في حُبِّ ذي القُرطَينِ يا لائِمي

لي شاغِلٌ عَن حُبِّ ذاتِ الوِشاح

دَعني أُقَضّي العَيشَ في غِبطَةٍ

مُتَّبِعاً مَغدى الهَوى وَالمَراح

مِن قَبلِ أَن يَهتِفَ داعِ النَوى

فَلَم أَجِد عَن بَينِنا مِن بَراح

فَكُلَّ يَومٍ لي بِرُغمِ العُلى

في كُلِّ أَرضٍ غُربَةٌ وَاِنتِزاح

واضيعَةَ العُمرِ وَفَوتَ المُنى

بَينَ رِضى الكومِ وَسُخطِ المِلاح

وَرُبَّ لَيلٍ خُضتُ تَيّارَهُ

بِأَدهَمٍ يَسبُقُ جَريَ الرِياح

مُحَجَّلِ الأَربَعِ ذي غُرَّةٍ

مَيمونَةِ الطَلعَةِ ذاتِ اِتِّضاح

كَأَنَّهُ قَد شَقَّ بَحرَ الدُجى

وَبَعدَهُ خاضَ غَديرَ الصَباح

لَم تَعلَمِ الأَبصارُ في جَريِهِ

قادِمَةً خَفَّت بِهِ أَم جَناح

يَقرَأُ مِن وَحيِ ضَميري لَهُ

تَقاعُساً رُمتُ بِهِ أَم جِماح

مُذ فَسُدَ العَيشُ رَأى قَصدَهُ

لِلمَلِكِ الصالِحِ عَينَ الصَلاح

المَلِكُ النَدبُ الَّذي شُكرُهُ

صارَ اِعتِباراً لِلوَرى وَاِصطِلاح

مُمَنَّعُ المَجدِ رَفيعُ العُلى

لَم يَكُ إِلّا مالُهُ مُستَباح

يَكادُ مِن دِقَّةِ أَفكارِهِ

يُزري بِما يُجري القَضاءُ المُتاح

لَهُ يَدٌ إِن جادَ كانَت حَياً

وَهِمَّةٌ إِن جالَ كانَت سِلاح

وَرَحبُ صَدرٍ كُلَّما هيمَنَت

فيهِ نَسيمُ المَدحِ زادَ اِرتِياح

يا حامِلَ الأَثقالِ مِن بَعدِما

حَطَّ مِراراً غَيرُهُ وَاِستَراح

لَولاكَ يا وابِلُ زَرعُ النَدى

أَضحى هَشيماً وَذَرَتهُ الرِياح

يا اِبنَ الَّذي حَجَّ إِلَيهِ الوَرى

لِكونِهِ كَعبَةَ دينِ السَماح

إِن قَصُرَت مِنّي إِلَيكَ الخُطى

ما قَصُرَت مِنّي يَدُ الإِمتِداح

فَقَد جَعَلتُ الأَرضَ مِن مَدحِكُم

خَضرا وَشِعري جائِلٌ كَالوِشاح

خَفَضتُ بِالنَصبِ اِستِعاراتِهِ

كَما أُعيرَ الذُلُّ خَفضَ الجَناح

إِذا تَلاهُ الوُفدُ قالَ الوَرى

هَذا هُوَ السِحرُ الحَلالُ المُباح

ذِكرُكَ كَالمِسكِ وَلَكِنَّهُ

إِن ضَوَّعَتهُ نَسمَةُ المَدحِ فاح

نشرت في ديوان صفي الدين الحلي، شعراء العصر المملوكي، قصائد

قد يعجبك أيضاً

صوت حمام الأيك عند الصباح

صوتُ حمامِ الأيكِ عند الصّباحْ جدَّد تذْكارِيَ عهْدَ الصّباحْ علَّمْننَا الشّجْوَ فيا مَنْ رأى عُجْماً يُعلِّمْن رجالاً فِصاح ألحانُ ذاتِ الطَّوقِ في غُصنْهِا مُذْكِرتي أزْمانَ…

تعليقات