لمن الركائب سيرهن تهاد

ديوان ناصح الدين الأرجاني

لِمَنِ الرّكائبُ سَيْرُهُنّ تَهادِ

مِيلٌ مَسامِعُهنّ نحوَ الحادي

يَطلُعْنَ من شَرفِ العُذَيبِ وهُنّ من

جذْبِ الأزِمّةِ سامِياتُ هَواد

يحدو بهنَّ معَ الصّباحِ مُغَرِدٌ

طرِبٌ يُناجِي بالهوى ويُنادي

ما زال يَنْظِمُهنّ في سِلْكِ البُرى

حتّى تَوشّحَهُنّ بَطْنُ الوادي

فغَدتْ تَجوبُ البِيدَ من تحت الدُّجَى

ذُلُلاَ يَسِرْنَ مَوائَر الأعضاد

والبِيضُ في الأحداجِ فوق متُونِها

مَحْجوبةٌ كالبِيضِ في الأغماد

فإذا اختلَسْنَ بها الخُطا أسمَعْنَنا

زَجَلَ الحُلِيِّ لَهُنّ في الأجياد

فيهنّ لُبْنَي لم تُقَضِّ لُبانتي

منها وسُعْدَى ما رأَتْ إسعادي

رحلُوَا أمامَ الرّكبِ نَشْرُ عَبيرِهم

ووراءهم نفَسُ المشوقِ الصّادي

فكأنّ هذا من وراء رِكابِهم

حادٍ لها وكأنّ ذلكَ هاد

للّهِ مَوقفُ ساعةٍ يومَ النّوى

بمِنَى وأقمارُ الخُدورِ بَواد

لمّا تبِعْتُ وللمُشِيِّعِ غايةٌ

أظعانَهم وقد امتلَكْنَ فُؤادي

أَتبعْتُهم عَينْي وقلبي واقِفاً

فوق الثَّنيّةِ والمَطِيُّ غَواد

حتىّ بَعُدْنَ فعادَ عنهم ناظري

وأبَى الصّبابةُ أن يَعودَ فؤادي

أمّا وقد كلّفُتموهُ راغِماً

سَفَرَ الفراقِ فعَلِّلوهُ بِزاد

فلقد جَزِعْتُ لأنْ أقَمتُ وسِرْتُمُ

جزَعَ العليلِ لوثْبةِ العُوّاد

كيف السّبيلُ إلى التَّلاقي بعدما

ضربَ الغَيورُ عليه بالأسداد

والحيُّ قد رَكَزوا الرِّماحَ بمنزلٍ

فيه الظّباءُ ربائبُ الآساد

وعَد المُنَى بِهمُ فقلتُ لصاحبي

كم دونَ ذلك من عِداً وَعَواد

عَهْدِي بهم وهم بِوَجْرةَ جِيرةٌ

سُقِيَتْ عُهودُهمُ بصَوْبِ عِهاد

فاليومَ من نَفَسِ النّسيمِ إذا سرَى

تبْغِي شِفاءَ غلائلِ الأكباد

يا مُظهرِين لبَعْضِ ما يُخْفى لهم

بُعْدُ النّوى من خِلّةٍ ووِداد

لا تَدَّعوا شوقاً إليّ ولم يدعْ

منّي الغرامُ سوى مِثالٍ باد

إن تذْكروني تُبصروني عندَكُم

ولَوَ انَّ دُوني صَرْفَ كلِّ بِعاد

وكفَى الخيالُ مطيّةً تَسّرِي به

تغْميضةٌ من ناظرٍ لرُقاد

أمّا الخَليُّ فليس عِبْءَ جُفونِه

سَهَرِي فيَجزعَ إن أقَضَّ مِهادي

ماذا عليه أن يَبيتَ مُتيَّمٌ

مَكْحولةً أجفانُه بِسُهاد

دنِفٌ حشا نارَ الجَوى أحشاءَه

للوجْدِ مُذْ سَعِدَ النّوَى بسُعاد

جلَب المَشيبَ هُمومُه فتَرى له

أثَرَ الفؤادِ يلوحُ في الأفواد

شابَ المَفارِقُ للمُفارقِ حُرْقةً

مُذْ بَدَّل الإدناءَ بالإبْعاد

صَدعوا سَوادَيْ فَوْدِه وفُؤادِه

فانجابَ عنه ومنه كلُّ سواد

وكأنّما أحبابُه وشبابُه

رَحَلا غداتَئِذٍ على مِيعاد

يا حَبّذا عُقَبُ الزّمانِ إليهمُ

قبل المَعادِ لئن سخَتْ بمَعاد

أهُوَ التقاءُ أحِبّةٍ بحبائبٍ

أم ردُّ أرواحٍ إلى أجساد

إنّي ليُطْرِبُني الحَمامُ إليهمُ

مُتَرنِّماً في غُصْنِه المَيّاد

ويشوقُني بَرْقُ الحِمَى بوميضِه

حتّى يبُلَّ الدّمْعُ ثِنْىَ نِجادي

وكأنّ عُذّالي إذا ذكَروا الحِمَى

تأْتِي حشايَ بقادحٍ وزِناد

إنّي لأعلَمُ حين أَحلُمُ أنَّني

لاقي مُصافٍ مَرّةً ومُصاد

ولكَم ذَوِي بَغْيٍ كرَهْطِ مُهَلْهِلٍ

أنظرْتُهم كالحارِث بْنِ عُباد

وبذلْتُ جُهْدِي في ارتيادِ تَصادُقٍ

فأبَوا به إلاّ ازديادَ تعاد

وغدوْت كالشّاري بشِسْعٍ نفْسَه

لمّا خطبْتُ صلاحَهم بفَسادي

والمرءُ ليس يَظلُّ خادعَ نفْسِه

حتّى يكونَ مُصادِقاً لِمُعاد

اِلْقَ الزّمانَ بما يُناسِبُ طبْعَه

فأخو العَناءِ مُقوِّمُ المُنْآد

ومتى أردْتَ سَدادَ دَهْرٍ أعْوَجٍ

كان الطّريقَ لِفَوْتِ كلِّ مُراد

عِدْني بإسعادٍ فأمّا أينُقِي

يا صاح فهْي تَعِدْنَ بالإسْآد

كيف المُقامُ ببلدةٍ يَغْدو بها

خوْفُ الهَوانِ مُحَلِّئاً أذْوادي

ولَديَّ ناجيةٌ يدايَ زِمامُها

حتّى أُصيبَ لها حَميدَ مراد

ومُعرَّجي حتّى أُصادِفَ مطلبي

خَرْقٌ مَقيلي فيه ظِلُّ جوادي

فاحْلُلْ عنِ العيسِ المُناخةِ عُقْلَها

واشْدُدْ لهنّ مَعاقِدَ الأقْتاد

أبَني الرّجاءِ السّائرِين ليُدرِكوا

في الدّهرِ أقصَى غايةِ المُرْتاد

مِنَحُ البِحارِ تَدِقُّ عن آمالِنا

فرِدُوا فِناءَ عليٍّ بْنِ طِراد

وإلى مَنِ اليومَ المُناخُ لوافدٍ

إلاّ الرِّضا بعدَ الإمام الهادي

فاطْوِ البعيدَ إليه تَدْنُ من العُلا

وانْزِلْ بأَكرمِ منزلِ الوُفّاد

وامْلأْ يداً منه وعَيْناً إنّه

بحْرُ النَّدى كَرماً وبَدْرُ النّادي

ملِكٌ علُوُّ الجَدِّ زاد تراقِياً

ما شيّدتْهُ له عُلا الأجداد

طَلْقٌ تَخالُ الدّهرَ ضوءَ جبينِه

قمراً أظَلّ لحاضرٍ ولباد

وكأنّ أعيُننَا إذا مِلْنا بها

عن وجْههِ يَرسُفْنَ في أقياد

أخلاقُه بين الخلائِق أصبحتْ

مثلَ الدّراري في ظلامِ دآدِي

وله أيادٍ معْ إدامةِ طَيّها

هَدمتْ مفاخِرَ طَيّئٍ وإياد

من أيِّ آفاقِ البلادِ يَفوتُه

شُكْرُ امرئٍ ونَداهُ بالمِرْصاد

كَهْفُ الإمام إذا أوى منه إلى

رَأْيٍ أفاء عليه ظِلَّ سَداد

ومُجرِّدُ السّيفَيْنِ يَشهَدُ دائماً

يَومَيْ جِدالٍ دُونَه وجِلاد

يَنْفِي العِدا عنه وما ضَرب الهُدى

بجِرانِه إلاّ بضَرْبِ الهادي

عَزيَتْ عنِ العُذّالِ روضةُ جُودِه

أن يَرتَعوا ودنَتْ من القُصّاد

وقضَى له بالفضْلِ أهلُ زمانِه

بشهادةِ الأعداء والحُسّاد

وسَمعتُ أَخبارَ النّدى عَنْ كفِّه

فعرفْتُ فيها صِحّةَ الإسْناد

منْ مَعْشَرٍ بيضِ الوُجوهِ أَكارمٍ

يومَ السَّماحِ وفي الوَغَى أَنجاد

رُجُحُ الحُلومِ لدى النَّديِّ كأنَّما

عُقِد الحُبا مِنْهم على أطواد

رضَعوا لِبانَ المَجْدِ في حِجْر العُلا

فعَلَوا على الأكْفاء والأنداد

وأَظلَّهم بيتُ النّبوّةِ وابتنَوا

مُلكاً ببِيضٍ في الأكُفِّ حِداد

فلهم إذا ما زُرتَهم وَخَبرْتَهم

شَرفُ الملُوكِ وسِيرةُ الزُهّاد

قومٌ إذا سَفَروا حَسِبت وُجوهَهم

للنّاظرِين أَهِلّةَ الأعْياد

وتكادُ إن وَطِئوا المَنابرَ أَن تُرى

في الحالِ وهْي وريقةُ الأعواد

وكَفَاهُمُ شرفاً بأنَّك مِنْهمُ

يومَ افتخارِ مَعاشرِ الأمجاد

ذهبوا بِفخْرٍ في زمانِك طارفٍ

وأَتَوك من عَليائهم بتِلاد

ورِثَتْ يداك الجُودَ من عَمْرِو العلا

والجُودُ يُورَثُه بنو الأجواد

وورِثْتَ عِلْمَ الحَبْرِ ثُمَّ دهاءه

والرأيَ ثُمَّ نزاهةَ السَّجّاد

ونَظمْتَ أَشتاتَ المناقبِ جامِعاً

فأتتْك آلافٌ عنِ الاِفراد

يا مَن بأشرفَ من مدائحِ مَجْده

لم يَختضِبْ قَلَمُ امْرئٍ بمِداد

جاءتْك من غُرَرِ الكلامِ بديعةٌ

تَستوقِفُ الأسماعَ في الإنشاد

سيّارةٌ مثلُ النّجومِ طوالعاً

وقفتْ على الإتْهامِ والإنجاد

كالتِّبرِ حين يَروقُ أَفناءَ الورى

وتَزيدُ قيمتُه لدى النُّقّاد

يا مَن إذا أَبدا الجميل أَعادَه

جَدِّد عَوارِفَ بادئٍ عَوّاد

كم عَمَّني من جاهِه ونَوالِه

بصَنائعٍ جَلَّتْ عنِ التَّعْداد

كتتابُعِ الأمواج إنْ عَدَّدْتَها

أَعيا لفَرْطِ تلاحُقِ الأمداد

صُمْ أَلفَ عامٍ مثْلِ عامِك مُقبِلٍ

في ظلِّ دائمةٍ بغَيرِ نَفاد

في دولةٍ تُصْمِي العِدا وسَعادةٍ

تُنْمي على الأزمانِ والآباد

نشرت في ديوان الأرجاني، شعراء العصر الأندلسي، قصائد

قد يعجبك أيضاً

جدارية لمحمود درويش

هذا هُوَ اسمُكَ / قالتِ امرأةٌ ، وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيِّ… أرى السماءَ هُنَاكَ في مُتَناوَلِ الأَيدي . ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صَوْبَ طُفُولَةٍ أَخرى…

تعليقات