Skip to main content
search

قَليلٌ لَها أَنّي بِها مُغرَمٌ صَبُّ

وَأَن لَم يُقارِف غَيرَ وَجدٍ بِها القَلبُ

بَذَلتُ الرِضا حَتّى تَصَرَّمَ سُخطُها

وَلِلمُتَجَنّي بَعدَ إِرضائِهِ عَتبُ

وَلَم أَرَ مِثلَ الحُبِّ صادَ غُرورُهُ

لَبيبَ الرِجالِ بَعدَ ما اِختُبِرَ الحُبُّ

وَإِنّي لَأَشتاقُ الخَيالَ وَأُكثِرُ ال

زِيارَةَ مِن طَيفٍ زِيارَتُهُ غِبُّ

وَمِن أَينَ أَصبو بَعدَ شَيبي وَبَعدَما

تَأَلّى الخَلِيُّ أَنَّ ذا الشَيبِ لايَصبو

أَسالِبَتي حُسنَ الأُسى أَو مُخيفَتي

عَلى جَلَدي تِلكَ الصَرائِمُ وَالكُثبُ

رَضيتُ اِتِّحادي بِالغَرامِ وَلَم أُرِد

إِلى وَقفَتي في الدارِ أَن يَقِفَ الرَكبُ

وَلَو كُنتُ ذا صَحبٍ عَشِيَّةَ عَزَّبي

تَحَدُّرُ دَمعِ العَينِ عَنَّفَني الصَحبُ

لَقَد قَطَعَ الواشي بِتَلفيقِ ما وَشى

مِنَ القَولِ ما لا يَقطَعُ الصارِمُ العَضبُ

فَأَصبَحتُ في بَغدادَ لا الظِلُّ واسِعٌ

وَلا العَيشُ غَضٌّ في غَضارَتِهِ رَطبُ

أَأَمدَحُ عُمّالَ الطَساسيجِ راغِباً

إِلَيهِم وَلي بِالشامِ مُستَمتَعٌ رَغبُ

فَأَيهاتَ مِن رَكبٍ يُؤَدّي رِسالَةً

إِلى الشامِ إِلّا أَن تَحَمَّلَها الكُتبُ

وَعِندَ أَبي العَبّاسِ لَو كانَ دانِياً

نَواحي الفِناءِ السَهلِ وَالكَنَفُ الرَحبُ

وَكانَت بَلاءً نِيَّتي عَنهُ وَالغِنى

غِنى الدَهرِ أَدنى ما يُنَوِّلُ أَو يَحبو

وَذو أُهَبٍ لِلحادِثاتِ بِمِثلِها

يُزالُ الطَخى عَنّا وَيُستَدفَعُ الكَربُ

سُيوفٌ لَها في عُمرِ كُلِّ عِدىً رَدىً

وَخَيلٌ لَها في دارِ كُلِّ عِدىً نَهبُ

عَلَت فَوقَ بَغراسٍ فَضاقَت بِما جَنَت

صُدورُ رِجالٍ حينَ ضاقَ بِها الدَربُ

وَثابَ إِلَيهِم رَأيُهُم فَتَبَيَّنوا

عَلى حالِ فَوتٍ أَنَّ مَركَبَهُم صَعبُ

وَكانوا ثَمودَ الحِجرِ حَقَّ عَلَيهُمُ

وُقوعُ العَذابِ وَالخَصِيُّ لَهُم سَقبُ

تَحَنّى عَلَيهِم وَالمَوارِدُ سَهلَةٌ

وَأَفرَجَ عَنهُم بَعدَما أَعضَلَ الخَطبُ

وَلَو حَضَرَتهُ أُنثَياهُ استَقَلَّتا

إِلى كُليَتَيهِ حينَ أَزعَجَهُ الرُعبُ

فَما هُوَ إِلّا العَفوُ عَمَّت سَماؤُهُ

أَوِ السَيفُ عُريانُ المَضارِبِ لا يَنبو

وَما شَكَّ قَومٌ أَوقَدوا نارَ فِتنَةٍ

وَسِرتَ إِلَيهِم أَنَّ نارَهُمُ تَخبو

كَأَن لَم يَرَوا سيما الطَويلَ وَجَمعَهُ

وَما فَعَلَت فيهِ وَفي جَمعِهِ الحَربُ

وَخارِجَ بابَ البَحرِ أُسدُ خَفِيَّةٍ

وَقَد سَدَّ قُطرَيهِ عَلى الغَنَمِ الزَربُ

تَحَيَّرَ في أَمرَيهِ ثُمَّ تَحَبَّبَت

إِلَيهِ الحَياةُ ماؤُها عَلَلٌ سَكبُ

وَقَد غَلُظَت دونَ النَجاةِ الَّتي اِبتَغى

رِقابُ رِجالٍ دونَ ما مَنَعَت غُلبُ

تَكَرَّهَ طَعمَ المَوتِ وَالسَيفُ آخِذٌ

مُخَنَّقَ لَيثِ الحَربِ حاصِلُهُ كَلبُ

وَلَو كانَ حُرَّ النَفسِ وَالعَيشُ مُدبِرٌ

لَماتَ وَطَعمُ المَوتِ في فَمِهِ عَذبُ

وَلَو لَم يُحاجِز لُؤلُؤٌ بِفِرارِهِ

لَكانَ لِصَدرِ الرُمحِ في لُؤلُؤٍ ثَقبُ

تَخَطَّأَ عَرضَ الأَرضِ راكِبَ وَجهِهِ

لِيَمنَعَ مِنهُ البُعدُ ما يَبذُلُ القُربُ

يُحِبُّ البِلادَ وَهيَ شَرقٌ لِشَخصِهِ

وَيُذعَرُ مِنها وَهيَ مِن فَوقِهِ غَربُ

إِذا سارَ سَهباً عادَ ظُهراً عَدُوَّهُ

وَكانَ الصَديقَ غُدوَةً ذَلِكَ السَهبُ

مَخاذيلُ لَم يَستُر فَضائِحَ عَجزِهِم

وَفاءٌ وَلَم يَنهَض بِغَدرِهِمِ شَغبُ

أَخافُ كَأَنّي حامِلٌ وِزرَ بَعضِهِم

مِنَ الذَنبِ أَو أَنّي لِبَعضِهِمِ إِلبُ

وَما كانَ لي ذَنبٌ فَأَخشى جَزاءَهُ

وَعَفوُكَ مَرجُوٌّ وَإن كانَ لي ذَنبُ

البحتري

البحتري (205 هجري - 284 هجري): هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي. البحتري بدوي النزعة في شعره، ولم يتأثر إلا بالصبغة الخارجية من الحضارة الجديدة. وقد أكثر من تقليد المعاني القديمة لفظيا مع التجديد في المعاني والدلالات، وعرف عنه التزامه الشديد بعمود الشعر وبنهج القصيدة العربية الأصيلة ويتميز شعره بجمالية اللفظ وحسن اختياره والتصرف الحسن في اختيار بحوره وقوافيه وشدة سبكه ولطافته وخياله المبدع.

Close Menu

جميع الحقوق محفوظة © عالم الأدب 2024

Share via