Skip to main content
search

ضُروبُ الناسِ عُشّاقٌ ضُروبا

فَأَعذَرُهُم أَشَفُّهُمُ حَبيباً

وَما سَكَني سِوى قَتلِ الأَعادي

فَهَل مِن زَورَةٍ تَشفي القُلوبا

تَظَلُّ الطَيرُ مِنها في حَديثٍ

تَرُدُّ بِهِ الصَراصِرَ وَالنَعيبا

وَقَد لَبِسَت دِمائَهُمُ عَلَيهِم

حِداداً لَم تَشُقَّ لَها جُيوباً

أَدَمنا طَعنَهُم وَالقَتلَ حَتّى

خَلَطنا في عِظامِهِمِ الكُعوبا

كَأَنَّ خُيولَنا كانَت قَديماً

تُسَقّى في قُحوفِهِمِ الحَليباً

فَمَرَّت غَيرَ نافِرَةٍ عَلَيهِم

تَدوسُ بِنا الجَماجِمَ وَالتَريبا

يُقَدِّمُها وَقَد خُضِبَت شَواها

فَتىً تَرمي الحُروبُ بِهِ الحُروبا

شَديدُ الخُنزُوانَةِ لا يُبالي

أَصابَ إِذا تَنَمَّرَ أَم أُصيبا

أَعَزمي طالَ هَذا اللَيلُ فَاِنظُر

أَمِنكَ الصُبحُ يَفرَقُ أَن يَؤوبا

كَأَنَّ الفَجرَ حِبٌّ مُستَزارٌ

يُراعي مِن دُجُنَّتِهِ رَقيبا

كَأَنَّ نُجومَهُ حَليٌ عَلَيهِ

وَقَد حُذِيَت قَوائِمُهُ الجُبوبا

كَأَنَّ الجَوَّ قاسى ما أُقاسي

فَصارَ سَوادُهُ فيهِ شُحوبا

كَأَنَّ دُجاهُ يَجذِبُها سُهادي

فَلَيسَ تَغيبُ إِلّا أَن يَغيبا

أُقَلِّبُ فيهِ أَجفاني كَأَنّي

أَعُدُّ بِهِ عَلى الدَهرِ الذُنوبا

وَما لَيلٌ بِأَطوَلَ مِن نَهارٍ

يَظَلُّ بِلَحظِ حُسّادي مَشوبا

وَما مَوتٌ بِأَبغَضَ مِن حَياةٍ

أَرى لَهُمُ مَعي فيها نَصيبا

عَرَفتُ نَوائِبَ الحَدَثانِ حَتّى

لَوِ اِنتَسَبَت لَكُنتُ لَها نَقيبا

وَلَمّا قَلَّتِ الإِبلُ اِمتَطينا

إِلى اِبنِ أَبي سُلَيمانَ الخُطوبا

مَطايا لا تَذِلُّ لِمَن عَلَيها

وَلا يَبغي لَها أَحَدٌ رُكوبا

وَتَرتَعُ دونَ نَبتِ الأَرضِ فينا

فَما فارَقتُها إِلّا جَديبا

إِلى ذي شيمَةٍ شَعَفَت فُؤادي

فَلَولاهُ لَقُلتُ بِها النَسيبا

تُنازِعُني هَواها كُلُّ نَفسٍ

وَإِن لَم تُشبِهِ الرَشَأَ الرَبيبا

عَجيبٌ في الزَمانِ وَما عَجيبٌ

أَتى مِن آلِ سَيّارٍ عَجيبا

وَشَيخٌ في الشَبابِ وَلَيسَ شَيخاً

يُسَمّى كُلُّ مَن بَلَغَ المَشيبا

قَسا فَالأُسدُ تَفزَعُ مِن قُواهُ

وَرَقَّ فَنَحنُ نَفزَعُ أَن يَذوبا

أَشَدُّ مِنَ الرِياحِ الهوجِ بَطشاً

وَأَسرَعُ في النَدى مِنها هُبوبا

وَقالوا ذاكَ أَرمى مَن رَأَينا

فَقُلتُ رَأَيتُمُ الغَرَضَ القَريبا

وَهَل يُخطي بِأَسهُمِهِ الرَمايا

وَما يُخطي بِما ظَنَّ الغُيوبا

إِذا نُكِبَت كِنانَتُهُ اِستَبَنّا

بِأَنصُلِها لِأَنصُلِها نُدوبا

يُصيبُ بِبَعضِها أَفواقَ بَعضٍ

فَلَولا الكَسرُ لَاِتَصَلَت قَضيبا

بِكُلِّ مُقَوَّمٍ لَم يَعصِ أَمراً

لَهُ حَتّى ظَنَنّاهُ لَبيبا

يُريكَ النَزعُ بَينَ القَوسِ مِنهُ

وَبَينَ رَمِيِّهِ الهَدَفَ المَهيبا

أَلَستَ اِبنَ الأُلى سَعِدوا وَسادوا

وَلَم يَلِدوا اِمرَءً إِلّا نَجيبا

وَنالوا ما اِشتَهَوا بِالحَزمِ هَوناً

وَصادَ الوَحشَ نَملُهُمُ دَبيبا

وَما ريحُ الرِياضِ لَها وَلَكِن

كَساها دَفنُهُم في التُربِ طيبا

أَيا مَن عادَ روحُ المَجدِ فيهِ

وَعادَ زَمانُهُ التالي قَشيبا

تَيَمَّمَني وَكيلُكَ مادِحاً لي

وَأَنشَدَني مِنَ الشِعرِ الغَريبا

فَآجَرَكَ الإِلَهُ عَلى عَليلٍ

بَعَثتَ إِلى المَسيحِ بِهِ طَبيبا

وَلَستُ بِمُنكِرٍ مِنكَ الهَدايا

وَلَكِن زِدتَني فيها أَديبا

فَلا زالَت دِيارُكَ مُشرِقاتٍ

وَلا دانَيتَ يا شَمسُ الغُروبا

لِأَصبِحَ آمِناً فيكَ الرَزايا

كَما أَنا آمِنٌ فيكَ العُيوبا

أبو الطيب المتنبي

أبو الطيّب المتنبي (303هـ - 354هـ) (915م - 965م) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي أبو الطيب الكندي الكوفي المولد، نسب إلى قبيلة كندة نتيجة لولادته بحي تلك القبيلة في الكوفة لا لأنه منهم. عاش أفضل أيام حياته وأكثرها عطاء في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب وكان من أعظم شعراء العرب، وأكثرهم تمكناً من اللغة العربية وأعلمهم بقواعدها ومفرداتها، وله مكانة سامية لم تُتح مثلها لغيره من شعراء العرب. فيوصف بأنه نادرة زمانه، وأعجوبة عصره، واشتُهِرَ بحدة الذكاء واجتهاده وظهرت موهبته الشعرية مبكراً.

Close Menu

جميع الحقوق محفوظة © عالم الأدب 2024

Share via