حيتك غادية الحيا من مربع

ديوان ناصح الدين الأرجاني

حَيّتْكَ غاديةُ الحَيا من مَرْبَع

رجَعتْ عهودي فيك أم لم تَرجِعِ

إنّ الّذينَ وقَفتُ في آثارِهمْ

مُترسِّماً لمَصيفِهمْ والمَربَع

ما أَسْأروا في كأسِ دَمْعِيَ فَضْلةً

عنهمْ فأجعلَها نَصيبَ الأَربُع

لم يُبكني إلاّ حديثُ فراقهمْ

لمّا أسرّ بهِ إلىّ مُودّعي

هو ذلك الدُّرُّ الّذي ألقيتُمُ

في مَسْمَعي ألقيتُه من مَدْمَعي

فدَعُوا التّجنِّيَ عاطِفينَ على فتىً

لوقوعِ ما تَعِدُ النّوى مُتَوقِّع

صَبٍّ لأسرارِ الأحبّةِ حافظٍ

ولمَوضعِ الأسرارِ منه مُضَيِّع

أمّا الفؤادُ فإنّهم ذهَبوا به

يومَ النّوى فَبقِيتُ صِفْرَ الأَضلُع

ونظَرتُ من بَعدِ الفؤادِ فلم أجِدْ

غيرَ الجفونِ لِسرِّهمْ من مَوْضِع

وهي الّتي لولا الغرامُ ولو خطَتْ

شُهُبُ الكتائبِ فوقَها لم تَخْشَع

لو كان خَيّم غيرُ سلطانِ الهَوى

في جُنْدِه بفِناء جَفْني المُودَع

لرأيتَ طَرْفيَ وهْو مانعُ أَدْمعٍ

مثْلَ السّموأَلِ وهْو مانعُ أَدْرُع

نَفْسي فِداء السّائرِينَ من اللّوى

ولهمْ مُعرَّجُ ساعةٍ بالأَجْرَع

السّالِبينَ فُؤادَ كُلِّ مُشيَّعٍ

أظعانَهمْ من صَدْرِ كُلِّ مُشَيِّع

والباعثِينَ إلىّ طَيْفاً زائراً

أوصَوْه بي ألاّ يُفارِقَ مَضْجَعي

فكأنّنا لمّا عقَدْنا للنّوى

حِلْفاً بغَيْرِ رَهائنٍ لم تَقْنَع

فرَهينتي معهمْ فؤاديَ دائماً

والطّيفُ من سَلْمَى رَهينتُهْم معي

بأبي الشموسَ الطالعاتِ عَشّيّةً

فوقَ الِركائبِ وهْي فُتْلُ الأذْرُع

المُخرِجاتِ من الحريرِ تَحيّةً

أَطرافَ دُرٍّ بالعَقيقِ مُقمَّع

من كُلِّ صائدةِ الرّجالِ بمُقْلةٍ

منها وصائنةِ الجَمالِ ببُرقع

وعزيزةٍ في الحيّ وهْي بخيلةٌ

بالوَصلِ إلاّ يَمنعوها تَمنَع

تَرنو بناظرةِ المَهاةِ إذا بدَتْ

وتَنُصُّ سالفةَ الغزالِ الأتلَع

إن تُمْسِ آفاقُ السّماء مُنيرةً

للنّاظرِينَ منَ النجومِ الطُّلَّع

فلِمُقلتي أُفُقٌ خُصوصاً شَمسُه

من وَجْهها ونُجومُه من أَدمُعي

شُهُبٌ إذا غرَبتْ طلَعْنَ مَوالئاً

عَيني ولا يَغْرُبْنَ ما لم تَطلُع

يا صاح مأْثورُ الحديثِ مُخلَّفٌ

فاصْبِرْ لِرَوْعاتِ الخُطوبِ أَوِ اجْزَع

إنّ الزّمانَ على تَطاوُلِ عَمْرِه

بَرْقٌ يَمُرُّ فخُذْ بحَظِّك أَو دَع

عَطَلي لدى زَمَنٍ ومِنّىَ جِيدُه

في حِلْيَتْي ذِكْرٍ وشِعْرٍ مُجْزِعي

أَسعَى ليَرعَى آخَرونَ وما سعَوْا

قُلْ للّيالي ما بدا لكِ فاصْنَعي

لهمُ الغِنَى وليَ العَناءُ ونافِذُ

يا دَهرُ حُكمُكَ إن تَضعْ أَو تَرفَع

الكَرُّ يُعرَفُ للعُبَيدِ ورَبِّه

والنّهْبُ بينَ عُيَينةٍ والأَقْرَع

بالجِّدِ والجَدِّ انتَجِعْ تَنَلِ المُنَى

فإنِ اجتزأْتَ بواحدٍ لم تَنْجَع

وإذا نَعَيْتَ على خليلٍ خَلّةً

في دينهِ فاهْجُرْه واحسِبْه نُعي

فلقد أُراني واجداً بذؤابتي

وبلَونها وَجْدَ المُحبِّ المُولَع

حتّى إذا رفَضَ العِذارُ سوادَه

منّي وأصبحَ بالبياضِ مُروِّعى

ما سَرَّني معه بَقائيَ بعدما

أضحَى يَشوبُ تَسنُّناً بتَشيُّع

إلا بمدحِ ربيبِ دولة هاشمٍ

ما دام عُمْرِيَ بالكلامِ مُمتِّعي

ووِفادَتي في كُلِّ عامٍ زائراً

وإفادتي شَرفاً رفيعَ المطْلَع

بنظامِ دينِ اللهِ والمُلْكِ الّذي

ما دامَ حامي سِلْكِه لم يُقْطَع

عَضدُ الخِلافةِ ما يزالُ مُطاعِناً

من دونها برماحِ رَأْيٍ شُرَّع

بِقَناً إذا مَدَّدْتَ منها زَعزعَتْ

أَركانَ أعداءٍ ولم تَتزَعْزَع

وإلى الوزيرِ ابنِ الوزيرِ سرَتْ بنا

خُوصٌ متى تَطُلِ المَهامِه تُذْرَع

ما زال يُطرِبُها الحُداةُ بمَدْحِه

حتّى أَتَتْه أَنسُعاً في أَنسُع

والوفدُ أَمرحُ ما يُرَوْنَ إذا همُ

نَزلوا إليه عنِ المَطيِّ الظُّلَّع

ومتى جَبُنْتَ عنِ الزّمانِ وصَرْفِه

فارْحَلْ إلى ابنِ أبي شُجاعٍ تَشْجُع

مَلِكٌ أَغرّ سَميْدَعٌ ما يَعْتَزي

إلاّ إلى مَلِكٍ أَغرَّ سَميْدَع

عَلِقٌ بقاصيةِ الرّعيّةِ فِكْرُه

ما زالَ يَسهَرُ للعيونِ الهُجّع

وَرِثَ السّيادةَ عن أبِيهِ وجَدِّهِ

وسمَتْ ذَوائبُ دَوْحِه المُتفَرِّع

والفَرعُ ليس يُريكَ حين تَهُزُّه

كرَماً له في الأصْلِ لم يستَوْدع

ذو همّةٍ يُمضِي بسَطرٍ واحدٍ

قلماً فيُخجلُ ألفَ رُمْحٍ مُشْرَع

يَزداد في الشّرَفِ الرّفيعِ تَراقِياً

ما دام منه ثَنِيّةٌ لم تُطلَع

فإذا تَجاوزَ كُلَّ حَدٍّ في العُلا

قالتْ جلالةُ قَدْرِه لا تَقنَع

أمّا أميرُ المؤمنينَ فقدْ أَوَى

منه إلى الرُّكْنِ الأشَدِّ الأمنَع

مُستَظْهِرٌ لم يَرضَ غيرَ ظَهيرِه

ففِناؤه في الخَطْبِ أعظَمُ مَفزَع

لا تَخْلُ منه كَتيبةٌ وكتابةٌ

من مُوقِعٍ بعُداتِه ومُوقِّع

غادرْتَهمْ وِرْداً لأطرافِ القَنا

وقِرىً لحائمةِ النُّسورِ الجُوَّع

ومسَحْتَ ناصيةَ العُلا بأناملٍ

خُلقَتْ ضرائرَ للغُيوثِ الهُمَّع

فكأنَّ عَينَ الشّمسِ عَينٌ أصبَحتْ

لعُلاكَ وهْي على الطّريقِ المَهْيَع

أَوردْتَ خَيلَكَ ماءها فكرَعْنَ بال

جبَهاتِ فيه وخُضْنَهُ بالأكْرُع

ففَداكَ في الحُسّادِ كُلُّ مُدافِعٍ

دونَ العُلا والمكرماتِ مُدَفَّع

عَلِقٌ بأطرافٍ المُنى ووراءه

جَدٌّ إذا ما طارَ قال له قَع

مَخْدوعُ طَرْفِ العَينِ يَبسُط كَفَّه

مِمّا يَظُنُّ النّجمَ قيدَ الإصْبَع

يَبْغي مَكانَك في العلاءِ وما لَه

عن نَيلِ مَجْدك غَيرُ عَضِّ اليَرْمَع

فَبقِيتَ في حُلَلِ المَناقبِ رافِلاً

ما شاقَ إيماضُ البُروقِ اللُّمَّع

من ماجدٍ لثَرائِه وثنائِنا

طُولَ الزّمانِ مُفَرِّقٍ ومُجَمِّع

أَرِحِ المنائحَ والمدائحَ ساعةً

من طُولِ مَمضىً في الأنام ومَرْجِع

فلقد أَنَلْتَ من المُنَى ما لم يُنَلْ

وسَمعْتَ للمُدّاحِ ما لم يُسْمَع

وتَركْتَ عَصرَكَ من تَضاعُفِ فَخْرِه

بين العصورِ بفَضلكَ المُستَجمع

ما بين عَصرٍ سابقٍ مُتَلفِّتٍ

شَوقاً إليهِ ولاحِقٍ مُتطلِّع

يا مَن إذا زُرْنا رفيعَ جنابهِ

صنَع الجميلَ لنا ولم يَتَصنَّع

أَيَروعُني صَرْفُ الزّمانِ بجُنْدِه

وأنا بمَرأىً من نَداكَ ومَسْمَع

أنت الّذي عقَل الرّجاءُ مَطِيّتي

بذُراك حتّى قُلتُ هذا مَربَعي

واصلْتَ رِفْدَك بعد ما أغنيْتني

جَوْدَ الغمامِ على الغديرِ المُتْرَع

ورفَعْتَني كرَماً فلم أُحوَجْ إلى

أن أَستعيرَ نباهةً لترفُّع

وتَركْتَني عند الزّمانِ وليس لي

إلاّ بقاءكَ دائماً من مَطْمَع

أنا مِن نَداكَ وفَرْطِ عَجْزي شاكراً

في مَوقِفٍ من حَيْرتي مُستَبْدع

فإذا حلَلْتُ تقول خَجْلتيَ ارتَحِلْ

وإذا مضَيتُ تقولُ هِمّتُكَ ارْجِع

فاسْلَمْ لسائمةِ الرّجاءِ تَحوطُها

فلدَيكَ قد ظَفِرَتْ بخِصْبِ المَرتَع

واسْعَدْ بصَومِكَ واصلاً ومُفارِقاً

ومُعاوِداً عَوْدَ المَشوقِ المُسْرِع

فتَملَّ في ظلِّ الإمامِ بدولةٍ

عُمُرَ الزّمانِ طَويلةِ المُستَمْتَع

فَلَكَ الجَلالُ وأنت منه دائماً

كالشمس تَنزِلُ بالمَحَلِّ الأرفَع

فتَداومَا أبداً حَليفَيْ رِفْعةٍ

ما تَأْمُرا يُعْطِ الزَّمانُ ويمنَع

نشرت في ديوان الأرجاني، شعراء العصر الأندلسي، قصائد

قد يعجبك أيضاً

مذ أفقرت ممن أحب الأربع

مُذ أَفقَرَت مِمَّن أُحِبُّ الأَربَعُ دَرَسَت مَعالِمَها الرِياحَ الأَربَعُ وَجَفا الحَيا أَطلالَها لَمّا جَفَوا فَجَرَت عَلَيهِم لا عَلَيها الأَدمُعُ صاحوا الرَحيلَ وَوَدَّعوني فَاِنثَنى قَلبي يُوَدِّعُني…

يا دار ما فعلت بك الأيام

يا دارُ ما فَعَلَت بِكِ الأَيّامُ ضامَتكِ وَالأَيّامُ لَيسَ تُضامُ عَرَمَ الزَمانُ عَلى الَّذينَ عَهِدتُهُم بِكِ قاطِنينَ وَلِلزَمانِ عُرامُ أَيّامَ لا أَغشى لِأَهلِكِ مَنزِلاً إِلّا…

تعليقات