مقالات

في فمي ماءٌ وهل ينطق من في فيه ماءُ ؟

لقد كانت معظم الحكايات الشعبية القديمة تأتي على لسان الحيوانات، بل ان الصغار والكبار على حد سواء يفضلون القصص التي أبطالها حيوانات، فالأسد قد يتسلط على الذئب ولكن (أبا الحصين) وهو الثعلب يتفوق عليه رغم ضعفه، وذلك بالحيلة والذكاء، وهكذا حكاية الذئب مع النعجة حيث يتسلط عليها أو على الحمل الصغير وتسلطه هذا بحجج واهية وفي النهاية يأكل الحمل الصغير وأسباب أكله واهية أيضاً قد نسجها الذئب وفرضها واقعاً ليبرر تسلطه على ذلك الحمل الوديع، ومثل ذلك يجري بين الثعلب والأرنب.
وهكذا تتردد الحكايات وتتكرر وأبطالها ذئب ونعجة أو أرنب وغزال أو حية وجربوع وربما غراب وحمامة أو بعض من الحشرات التي تكثر في البيئة كالنملة والنفساء، المهم ان الأبطال في هذه الحكايات من فئة خارجة عن دائرة المحاسبة، ولا تؤاخذ بما تقول. 
ومن الملاحظ أنه يرمز للحكمة ببعض منها وبالذكاء والدهاء بقسم منها أيضاً، بينما تلصق السذاجة والغفلة للبعض دون غيرها وكذا الغباء ومثل ذلك القوة وربما الظلم والتسلط. 
فللضعف الشاة، وللتسلط الأسد، وللمكر الثعلب ولعدم الاتزان والطمع الذئب، وللسرعة والذكاء الجربوع، وللغباء الغراب وللصبر والتحمل والغباء أيضاً الحمار، وللحكمة والهدوء الضب، وهكذا تم تصنيف العديد من الحيوانات والحشرات كأبطال وشراكة في تمثيل قصص وحكايات تم نسجها لأهداف عدة تناقلها الناس في الجزيرة العربية، مع ملاحظة أن الحيوانات الأخرى الغريبة عن المنطقة لا يرد لها ذكر، مثل السلحفاة والتمساح، والكنغر وربما الفيل ووحيد القرن وما شابه ذلك لأن مثل هذه المسميات لا توجد بين الناس ولا يعرف عنها الكثير بل وربما فقدت القصة أهميتها لنقص المعلومات عن أبطالها لدى المتلقي. 
ولا ينفرد سكان الجزيرة وحدهم بمثل هذا النهج والأسلوب في زمن قريب أو بعيد، بل يشمل العديد من المجتمعات داخل وخارج الجزيرة العربية عرب وغير عرب ولعله نهج عالمي له الأهداف نفسها. 
ولعلي اقتطع نصاً عربياً فيه اختصار لمثل ذلك على لسان الحيوان ينسب إلى الضفدع الحيوان المائي الذي اختير للحكمة حيث يقال إنها تقول عندما طلب منها الكلام والرأي في شيء معين ربما كان سياسياً: 

قالت الضفدع قولاً 
فسرته الحكماء 
في فمي ماء وهل 
ينطق من في فيه ماء!؟ 
لقد اختاروا الضفدع لتواجدها في الماء فنسبوا لها حسن الصمت وعدم الإكثار من الكلام، بحيث يسلم من يصمت، ولا يؤاخذ برأي موافق ولا معارض، وعللوا صمتها الحكيم بأن الماء هو الذي يمنعها عن الكلام وهذا العذر لها جعلها في نظر الآخرين معذورة، وبالتالي كأنهم يقولون لنا اتخذوا هذا النهج الذي اتخذته الضفدع وأنسبوا الصمت لشيء مما يحيط بكم للسلامة في حال كثرة الأقوال التي لا طائل منها. 
وقصة الثعلب مع الذئب والكيد له عند الأسد مشهورة معروفة، كما أن قصة الثيران الثلاثة التي أكلها الأسد واحد بعد الآخر هي ايضاً من الشهرة بحيث لا تحتاج لمن يعيدها، كذلك حكايات الغراب وما اشتهر به من الحذر، ونقل الانتباه والحذر لولده ووصيته له بالخوف من الناس حتى لا يصطاده أحد. 
هذه الاسقاطات على عالم الحيوان قاد إليها عدة أمور وكأن الذي اسقط هذه الحكايات يكتب للناس باسم مستعار ويختفي وراء المجهول من الشخصيات، وأنسب ما يكون من الأثواب للتخفي هو عالم الحيوان فنسجت القصص وكأن الحيوانات تتكلم ونحن نتعلم من قصصها وحكاياتها، بل ويضيف البعض لقصته في المقدمة قوله (يوم كل شيء يحكي) يعني يوم كان كل شيء ينطق، ويقصدون بذلك كل الكائنات الحية بالاضافة إلى الإنسان، وهي مقدمة لاقناع السامع بأن ما يقولونه حدث في زمن قديم لا يقصد به الشخصيات المعاصرة وهذا

أيضاً من المخارج الذي يسلمون بواسطته من السلطة التي تراقب حكاياتهم إن وجدت، ويعطيهم المجال الواسع والحرية لكي يعبروا عن كل ما يريدونه من هموم ومطالب وآمال بأسماء خيالية استعير لها اسماء الحيوانات

منقول

FavoriteLoading أضف إلى قائمة الاقتباسات المفضلة
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق