عصرُ المُسْتَحاثَّاتِ

الحياةُ صورٌ متنوِّعةُ الأشكالِ والألوانِ، وأجملُ مَا فيها تلكَ الصُّورُ الرُّومانسيَّةُ المتكامِلةُ البنيانِ الّتي نعيشُها بكلّيَّاتِها وجزئيَّاتِها، فتأسرُ لبابَنا بمُجْملِها، دونَ أن نُغرقَ في تفاصيلِ جزئيَّاتِها.

حينَما نُغْرمُ بجمالِ الحبِّ، ونحيَا في حبِّ الجمالِ، نرى كلَّ شيءٍ من حولِنا جميلاً، ولا تكادُ بصائرُنا تلمحُ في الوجودِ غيرَ الجمالِ، وقدْ عبَّر عن هذا الإحساسِ شاعرُنا إيليا أبو ماضي في قولِه ( ):

أيُّهـــــــــذَا الشَّــــاكي ومـــــا بكَ داءٌ كنْ جميلاً تــــــرَ الوجُـــــــــودَ جمِيلَا

والَّذي نفسُــــــهُ بغـــــــــــيرِ جمــــالٍ لا يَرى في الوجُودِ شيْئاً جمِيلا

وحينَ يَغرقُ خيالُنا في جزئيَّاتِ هَذا الجمالِ، ونَبحثُ عن فلسفةٍ تفسيريَّةٍ لكلِّ جزءٍ منها، يَضيعُ ذوقُنا الجماليُّ في متاهاتِ ومُنعَرجاتِ الجزئيَّاتِ، وبالتَّالي يتقَهْقرُ الذَّوقُ الجماليُّ عندَنا، ويتلاشَى في تلكَ المتاهاتِ.ولذلكَ قالتِ العربُ: (حبُّكَ الشَّيءَ يُعمِي ويُصِمُّ). وهذهِ الفلسَفةُ الجماليَّةُ عميقةُ الأثرِ، بالِغةُ الأهميَّةِ في حياتِنا، إذا أخذْناهَا بتلابيبِ أحاسيسِنا ومشاعرِنا الإنسانيَّةِ الرَّفيعةِ.

حينَما تعشقُ أبصارُنا جداولَ الرَّبيعِ، ترتَسمُ في مخيِّلتِنا أبعادُ الصُّورةِ الجماليَّةِ الآتيةِ: ماءٌ يترقرقُ عذباً فُراتاً سَلسَبيلاً.. وعلى ضفَّتيهِ نباتاتٌ وأعشابُ وخضرواتٌ وأزاهيرُ بشتَّى ألوانِها وأجناسِها.. وعصافيرُ تُزقزقُ على ضفَّتيهِ متنقِّلةً في فرحٍ ملائكيٍّ وعرسٍ فردوسيٍّ منقطعِ النَّظيرِ.

ولا يمكنُ أن تتغيَّر معالمُ هذهِ الصُّورةِ الجماليَّةِ المتكاملةِ إلّا إذا أُخبِرْنا بأنَّ ثُعباناً شرِّيراً يَختَبئُ في حَنايَا هذا الجدْولِ متربِّصَاً بفرائسِهِ.. أو وقعَتْ أعيُنُنا على مشهدِ فأرٍ يسْبحُ في ماءِ الجدولِ.. فتتغيَّرُ الصُّورةُ الكلِّيةُ حينَما يُسيطرُ على نفوسِنا قُبحُ هذا الجزءِ الَّذي يقطنُهُ الثُّعبانُ أو يَسبحُ فيهِ الفأرُ!

في الحياةِ كثيرٌ من الصُّورِ العامَّةِ التي يَتغيَّرُ وطءُ أثرِها على نفوسِنا بمجرَّدِ تَسليطِ بقعةِ الضَّوءِ على جزئيَّةٍ منها.

وفي مجتمعاتِنا صورٌ مألوفةٌ تكادُ تكونُ طبيعيَّةً لا يعْترِيها نقْصٌ أو تشويهٌ، إلّا حينَما نُسلِّطُ الضَّوءَ على جزئيَّةٍ منها، ونتفنَّنُ في تضخِيمِها، فيَضيعُ جمالُ الكلِّ في بشاعةِ أحدِ جزئيَّاتِه!

ومن الغَرائبِ والطَّرائفِ التي نراهَا في حياتِنا لوحاتٌ فنِّيةٌ ترسمُها ريَشُ عاداتِ مجتمعاتِنا، تُضحِكُ الجنَّ لو نظرُوا، وتُبكِي الأمواتَ لو نطقُوا.. منها مَا يكونُ مُتعمَّدَ التَّشويهِ، ومنْها ما يكونُ عفويَّاً يُرادُ به التَّنبيهُ والتَّحذيرُ، وفي هذا جمالُ النُّكْتةِ وكاريكاتيرُ التَّصويرِ الفنِّيِّ الّذي يُضخِّمُ الصَّغيرَ ويُصغِّر الكبيرَ.

في أحدِ التَّعاميمِ الإداريَّةِ لإحدَى مدارسِ البناتِ جاءَ فيهِ: “يزورُ المدرسةَ الآنَ وفدٌ وزاريٌّ رسميٌّ بينَهم رجلٌ!”.

وهذهِ الصُّورةُ الكلِّيةُ الّتي ترسمُ هيئةَ وفدٍ رسميٍّ مألوفةٌ لجميعِ المدارسِ ليسَ فيها ما يشوِّهُ جمالَها الكلّيَّ .. لكنَّ النُّكتةَ الّتي لحِقتْ بالصُّورةِ الكلِّيةِ ألا وهيَ “بينَهم رجلٌ”.. أضْفَتْ على الصُّورةِ الكلِّيةِ جزئيَّةً بلونٍ آخرَ، فجعلَتْ مخيِّلةَ القارئِ للتَّعميمِ تهيمُ في فضاءِ الخيالِ.. فترَى الوفدَ مجتَمعاً نسائيَّاً خالِصاً مِن شوائِبِ الذُّكورةِ، وقدْ جاءَ مِن جهةٍ رسميَّةٍ أضحَتْ فيها الرُّجولةُ منْ مُستحاثَّاتِ الحياةِ المعاصِرةِ!

وربَّما يَتوهَّمُ الخيالُ أنَّ هَذا الوفدَ مؤلَّفٌ من مجموعةٍ من سيِّداتِ الجنَّةِ، ولكنْ بينهنَّ شيطانٌ أكبرُ يُدعى رجلاً؛ فاحذَرْنَه أيَّتُها المعلِّماتُ، وكنَّ على حِيطةٍ شديدةٍ منْ أنْ تَرى عيْناهُ غيرَ جلابيبِ الدُّجى!

أمَّا الخيالُ الَّذي يُعشِّشُ في حَنايا هذهِ الصُّورةِ الغريبةِ للقارئِ، فإنَّه يراهُ صورةً عاديَّةً في لوحةٍ نسائيَّةٍ من الإداريَّاتِ والمعلِّماتِ والطَّالباتِ، فأرادَ التَّعميمُ أن ينبِّهَ إلى وجودِ عنصرٍ غريبٍ غيرِ مألوفٍ في ثَنايا هذا المجتمعِ، محرَّمٍ عليهِ أن يُبصِرَ يداً أو وجْهاً.. فعَلى الجميعِ أخذُ الحِيطةِ والحذرِ كي لا تَقعَ أيَّةُ أُنثَى في دائرةِ الشَّيطانِ الأكبرِ.. الرَّجلِ غيرِ المُحْرَمِ!!

ولكنَّ خيالَ الكاتِبِ الثَّرثارِ الباحثِ عن الحقيقةِ يذهبُ بعيداً بقلبِ الصُّورةِ رأساً على عقِبٍ، فيَجعلُ الوفدَ الرَّسميَّ رجالاً بينهُم امرأةٌ، يزورُ مدرسةً للذُّكورِ، فهل كانَ التَّعميمُ يليقُ بالمقامِ؛ ليُقالَ: يزورُ المدرسةَ وفدٌ رسميٌّ بينهُم امرأةٌ؟!

ما أظنُّ ذلكَ أبداً.. ولا سيَّما أنَّ وليَّاتِ أمورِ الطُّلابِ يراودْنَ المدرسةَ كلَّ يومٍ للاطمئنانِ على حالِ أولادِهنَّ، فلا استنفارَ في عالمِ الرُّجولةِ، ولا تهيُّبَ ولا نظرةً عدائيَّةً، بلِ النّقيضُ من ذلكَ.. فإنَّ المظْهرَ العامَّ للمدرسةِ يبدُو أكثرَ ليونةً، وتَختفِي الكلماتُ النَّابيةُ، وتَعبقُ رائِحةُ الكلماتِ المهذَّبةِ والأنيقةِ أكثرَ فأكثرَ، وتُشتَمُّ رائِحةُ الابتِساماتِ الرَّقيقةِ بعدَ عُبوسٍ، ويُشعِرُ بالحنينِ إلى ماضٍ بعيدٍ؛ وكأنَّكَ أمامَ لوحةٍ سرمديَّةٍ من التَّعاملِ الرَّاقي والمؤنسِ..

وفي خِضمِّ هذه اللَّوحةِ الاجتماعيَّةِ الرَّاقيةِ يحقُّ لوليَّةِ الأمرِ الزَّائرةِ محادثةُ جميعِ العاملينَ ومناقشتُهم، واقتِلاعُ عينيّ المعلِّمِ الّذي يَمدُّ يدَه بالإشارةِ إلى ولدِها، فلهَا الحقُّ في لجْمهِ إنْ أخْطأَ!

وهذهِ المُفارقةُ في رسمِ الجزئيَّاتِ النَّافِرةِ التي تَطغَى على الَّلوحةِ الكلِّيةِ المألُوفةِ للذَّوقِ العامِّ، تُذكِّرُني بأحدِ الصَّحفيِّينِ الّذي زارَ قريتِي قبلَ أكثرَ من خمسٍ وعشرينَ سنةً، جاءَ ليَرصدَ حالةَ شُحِّ مياهِ الشُّربِ في القريةِ؛ لينقُلَ ألمَ معاناةِ المواطنِينَ إلى الجِهاتِ الرَّسميَّةِ لعلَّها تشتمُّ رائِحةَ المعاناةِ أو تُحِسَّ إحساسَ الكِلابِ بوجودِ مُواطنينَ يُعانُونَ من قلَّةِ مياهِ الشُّربِ!

وعندَما وصلَ الصّحُفيُّ القريةَ كانَ في استِقبالِهِ حشودٌ غفيرةٌ من الجماهيرِ الشَّعبيَّة رجالًا ونساءً شيوخاً وأطفالاً، فرحَّبُوا بهِ، وقدَّمُوا له الشَّايَ والقهوةَ والتِّينَ والرُّمَّانَ والزَّيتَ والزَّعْترَ؛ حيثُ تَختفِي معالمُ الصُّورةِ المدنيَّةِ المبهرجةِ، وتَتناغمُ الصُّورةُ الرِّيفيَّةُ البسيطةُ بكلِّ أطيافِ براءَتِها وطِيبتِها..

وانطلقُوا بهِ إلى موقعِ العينِ الّتي تَرفدُ القريةَ بالمياهِ الصَّالحةِ للشُّربِ.. وأرادَ الصَّحفيُّ المشهورُ عبدُ الرَّحيم فاخُوري أنْ يَعكسَ آراءَ النَّاسِ حولَ المشكلةِ، وأنْ يوثِّقَها بكلامِ المختارِ، لكنَّهُ فُوجئَ بعدمِ وجودِ المختارِ؛ ذلكَ الرَّجلِ الّذي يَرتدِي السِّروالَ والكفِّيةَ والعِقالَ..

o فنَادى: أينَ المختارُ؟

وكانَ مختارُ القريةِ منَ الجيلِ الصَّاعدِ الّذي لم يَتذوِّق يوماً حرارةَ السِّروالِ ولا شُموخَ العِقالِ، بلْ كانَ يتزيَّى بِنطالَ الجِنزِ الأمريكيِّ، وسترةَ الكوبُوي الإيطاليِّ، والحذاءَ الترُّكيَّ ذي الكعبِ العَالي.. وتَعلُو رأسَه قُبَّعةٌ إفرنجيَّةُ الصُّنعِ؛ كأنَّها من أبطالِ أفلامِ هُوليود..

o فقالَ للصَّحفيِّ: أنا المختارُ يا أستاذُ!

o فالتَفتَ الصَّحفيُّ الفاخُوري- وكانَ صاحبَ فُكاهةٍ- نحوَ المختارِ مُقهقِهاً قهقهةً مجلجِلةً: تَشرَّفْنا بكمْ يا مختارُ، منذُ نصفِ ساعةٍ وأنا أبحثُ عنكَ، فلم تقعْ عينايَ عليكَ مُختاراً، بل ظننتُكَ منْ مشجِّعي مونْديال مَدريد! المعذِرةَ يا مختارُ، فمَا زالَتْ ذاكِرتي متَخلِّفةً تَرى صورةَ المختارِ بالسِّروالِ والكفيَّةِ والعِقالِ، ولم أُدركْ أنَّ المختارَ بصورتِهِ القديمةِ صارَ تُحْفةً فنِّيةً، يجِبُ أن تُودَعَ في المتْحفِ الوطنيِّ!

وعلَتِ الضَّحِكاتُ وسادَ الوئامُ بينَ الجماهيرِ الغاضِبةِ من شُحِّ المياهِ، ونسيَتْ ظمأَهَا لتَرتَوي بفُكاهةِ الصَّحفيِّ الّذي استَطاعَ أن يستنْضِحَ ماءَ النُّفُوسِ قبلَ ماءِ الكؤُوسِ!

ولكنْ على الرَّغمِ من نَشازِ صورةِ المختارِ الجزئيَّةِ ضمنَ الَّلوحةِ العامَّةِ للمُجتمعِ الرِّيفيِّ بملابسِه الرِّيفيَّةِ التُّراثيَّةِ، فقدْ تحقَّقَ الهدفُ منَ الِّلقاءِ بالمختارِ والجماهيرِ، ونُقِلَتْ صورةُ المعاناةِ للجِهاتِ الرَّسميَّةِ، وحُلَّتِ المشكلةُ في عَهدِ الحرَكةِ التَّاسعةِ والتِّسعينَ المبَاركةِ، بعدَ تغيُّر وجوهِ المسؤولينَ وغيابِ الجماهيرِ الكادحةِ عنْ ساحةِ الحياةِ، ونشوءِ جيلِ وسائلِ التَّواصلِ الاجتِماعيِّ أمثالِ (الوتس آب، والفيسْ بوك، والتّليغرام والتويتر وغيرِها)، بمساندةِ وسائلِ الدَّعمِ العسكريِّ الّتي تُفجِّر الينابيعَ تَفْجيراً بالصَّواريخِ الثَّقيلةِ والبراميلِ المتَفجِّرةِ، ففاضَتِ الخيْراتُ وأصبحَ الوطنُ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى مَن يشربُ الماءَ منَ الجَماهيرِ الكادحةِ الّتي آلَتْ إلى مُستَحاثَّاتٍ!

الشارقة في 20/3/2015

Recommend0 هل أعجبك؟نشرت في مشاركات الأعضاء

قد يعجبك أيضاً

تعليقات