Skip to main content
search

من أغرب القصص التي صادفتني، تلك التي رويت عنها صفية بنت البكري من صحراء الحجاز، إذ تلاقينا عند احدى الرفيقات بالبادية، و كنا لا نزال يافعات نشع شبابا. كانت البنية ذات اصل و حسن و جاه، و كان قد وقع في غرامها رئيس العشيرة المدعو يقضان أبو فارس،و لما عزم على التقدم لطلب يدها من والدها، جاء لسمعه أن ابنه فارس مولع بها و هي كذلك، فحزت في نفسه هذه الخبرية و كيف له أن يتشارك و ابنه في حب نفس الفتاة، فما كان منه إلا كبح جماح حبه إلى بعد حين.

أما فارس فقد أعلن ذلك لوالده و طلب منه أن يزوجه إياها، فما كان إلا أن سارا معا للبكري للسؤال عنها، و صادف اليوم نفسه مجىء أناس من المدينة لنفس الغرض، فاحتاس والد صفية من الأمر، و طلب من الجماعة التريث حتى يسأل ابنته أيا تريد بعلا، فمن عادة العرب سؤال البكر. لما علمت صفية أن فارسا جاء لخطبتها، طارت من شدة الفرحة و لم تتوانى عن ابلاغه باختيارها لابن يقضان، و لما رجع الوالد لاخبار الجماعة، يبدو أن كلا الخاطبين يحملان نفس الاسم ، فلما اخبرهم ظن كلا من الشابين أنه المقصود، فقال كل منهما في نفس الوقت: أنا فارس ابن يقضان، فتعجب البكري من امرهما، و احتار أيا منهما اختارت ابنته صفية،و قد استحى ان يرجع إليها حتى تختار مجددا واحدا منهما بالتحديد، فيقال أنها أحبته وذلك عار عليها و سيتحاكى القوم في سيرتها و يهتك عرضه.فما كان منه إلا أن اشار على ابن يقضان الذي جاء من المدينة، فما كان من فارس إلا ان يكتم غيضه و يرجع دياره و الحسرة تملا قلبه بعد ان استطاع الآخر انتزاع محبوبته في لحظة سهو وغفلة.

أما صفية، فكانت تظن أنها قد ظفرت بمحبوبها، فتجهزت للعرس كأن لم يكن شيئا. و في ليلة دخلتها على ابن يقضان المدني،لم تفهم ما حصل لها و استعجبت من كون العريس ليس بحبيبها فارس؟ فكتمت انفاسها و امتنعت عنه و قالت له: ما أنت الذي اردته لنفسي، ابتعد عني فلست لك. فامتعض الرجل وردها في ليلتها لاهلها.

لما سمع حبيبها بما حدث لها، طار فرحا و طلب من والده أن يخطبها له مجددا ، فما كان من يقضان إلا أن يمتنع عن طلب ابنه فارس، و ذلك خشية ان ينفضح حب صفية و فارس، و ما هي إلا أيام حتى يجده جثة هامدة بفناء البيت، فقد أنتحر الفتى من شدة الحب والهيام. فما كان من يقضان إلا اخفاء الحقيقة و أخبار القوم ان ابنه عزم الترحال لوجهة لا يعلمها إلا الله، و بعد مرور بضع الشهور، زار أهل صفية و اخبرهم بما حل بابنه و ترجاهم بكتمان السر، ثم طلب يد صفية ، فما كان منها الا انصاعت للامر الواقع و رثت حبيبها قائلة:

ما لصفية إلا يقضان مصاحبا..

لابن بالثرى عن حب جامح..

فما رأيك في هذا الحديث؟

فأقول لها: إن من الحب ما قتل، ليت صفية احبت يقضان ولا ابنه فارسا.

Close Menu

جميع الحقوق محفوظة © عالم الأدب 2024