شرح معلقة عنترة بن شداد – هل غادر الشعراء من متردم

عنترة بن شداد

هو: عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي، من أهل نجد وينتهي نسبه إلى مضر.

ويلقب عنترة: بالفَلحاء، فيقال: عنترة الفلحاء.

وكانت أمه أَمَةً حبشية يقال لها: زبيبة، وكان لها أولاد عبيد من غير شدَّاد، وكانوا أخوة عنترة لأمه.

وكان أبوه قد نفاه، وكان العرب في الجاهلية إذا كان لأحدهم ولد من أمه استعبده، ثم ادَّعاه بعد الكبر واعترف به وألحقه بنسبه.

وكان سبب ادعاء أبيه إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منه واستاقوا إبلًا فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة يومئذ فيهم، فقال له أبوه: “كِرّ يا عنترة” فقال عنترة: “العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الْحِلاب والصّر” فقال: “كرَّ وأنت حر”. فَكرَّ، وقاتل يومئذ قتالًا حسنًا فادَّعاه أبوه بعد ذلك وألحقه بنسبه.

هو من الشعراء الفرسان، وكان شاعر بني عبس وفارسهم المشهور، وكان جرئيًا شديد البطش. وكان مع شدة بطشه لَيِّن الطباع حليمًا، سهل الأخلاق، لطيف الحاضرة. وكان من أشد أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يداه. وكان سَمْحًا أَبِيَّ النفس لا يقر على ضيم ولا يغمض على قذى، ولَمّا أُنشدَ للنبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: [الكامل] :

ولقد أبيت على الطوى وأظله … حتى أنال به كريم المأكل

قال عليه الصلاة والسلام: “ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة”.

وكان قد حضر حرب داحس والغبراء، وحسن فيها بلاؤه وحُمدت مشاهده.

ووقائعه كثيرة يشتبه فيها الصحيح بالموضوع.

أغار عنترة على بني نَبَهان من طيئ، فأطرد لهم طريدة وهو شيخ كبير، فجعل يرتجز وهو يطردها. وكان “وَزَر بن جابر النبهاني” في فتوَّة فرماه وقال: خذها وأنا ابن سلمى فقطع مطاه. فتحامل بالرميَّة حتى أتى أهله.

وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص.

كان عنترة شاعرًا مجيدًا فصيح الألفاظ، بيِّن المعاني نبيلها. كان كأنما الحماسة أنزلت عليه آياتها. وكان رقيق الشعر. لا يؤخذ مأخذ الجاهلية في ضخامة الألفاظ وخشونة المعاني. وكان يهوى ابنة عمه “عبلة بنت مالك بن قراد” فهاجت شاعريته لذلك، وكان كثيرًا ما يذكرها في شعره، وكان أبوها يمنعه من زواجه بها، فهام بها حتى اشتد وجده، وقيل: إنه قد تزوجها بعد جهد وعناء.

معلقته هي الشعر الثابت له بلا اختلاف. أما غيرها فمنها ما هو ثابت له، ومنها ما هو مختلف فيه، ومنها ما ليس له قطعًا. كأكثر ما في ديوانه المشهور.

وسبب نظمها ما حكوا من أنه جلس يومًا في مجلس بعدما كان قد أبلى وحسنت وقائعه واعترف به أبوه وأعتقه فسابَّه رجل من بني عبس، وعاب عليه سوادَ أمه وإخوته وأنه لا يقول الشعر. فسبَّه عنترة وفخر عليه. وقد استهل معلقته بالغرام وشكوى البعد وغير ذلك من أنواع النسيب. ثم تخلص إلى الفخر والحماسة وذكر وقائعه ومشاهده.

شرح معلقة عنترة بن شداد

هَلْ غَادَرَ الشّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ … أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ

المتردم: الموضع الذي يسترقع ويستصلح لما اعتراه من الوهن والوهي، والتردم أيضًا مثل الترنم، وهو ترجيع الصوت مع تحزين.

يقول: هل تركت الشعراء موضعًا مسترقعًا إلا وقد رقعوه وأصلحوه؟ وهذا استفهام يتضمن معنى الإنكار، أي لم يترك الشعراء شيئًا يصاغ فيه شعر إلا وقد صاغه فيه، وتحرير المعنى: لم يترك الأول للآخر شيئًا، أي سبقني من الشعراء قوم لم يتركوا لي مسترقعًا أرقعه ومستصلحًا أصلحه، وإن حملته على الوجه الثاني كان المعنى: إنهم لم يتركوا شيئًا إلا رجعوا نغماتهم بإنشاء الشعر وإنشاده في وصفه ورصفه، ثم أضرب عن هذا الكلام وأخذ في فن آخر فقال مخاطبًا لنفسه: هل عرفت دار عشيقتك بعد شكّك فيها، وأم ههنا معناه بل أعرفت، وقد تكون أم بمعنى بل مع همزة الاستفهام،

يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالْجِوَاءِ تَكَلَّمِي … وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي

الجو: الوادي والجمع الجواء، والجواء في البيت موضع بعينه. عبلة: اسم عشيقته، وقد سبق القول في قوله: عِمِي صباحًا.

يقول: يا دار حبيبتي بهذا الموضع تكلمي وأخبريني عن أهلك ما فعلوا، ثم أضرب عن استخباره إلى تحيتها فقال: طاب عيشك في صباحك وسلمت يا دار حبيبتي.

فَوَقَفْتُ فِيها نَاقَتي وكَأَنَّها … فَدَنٌ لأَقْضِيَ حَاجَةَ الْمُتَلَوِّمِ

الفدن: القصر، والجمع الأفدان. المتلوم: المتمكث.

يقول: حبست ناقتي في دار حبيبتي، ثم شبه الناقة بقصر في عظمها وضخم جرمها، ثم قال: إنما حبستها ووقفتها فيها لأقضي حاجة المتمكث بجزعي من فراقها وبكائي على أيام وصالها.

وَتَحُلّ عَبْلَةُ بالْجِوَاءِ وَأَهْلُنَا … بالْحَزْنِ فَالصَّمَانِ فَالْمُتَثَلَّمِ

يقول: وهي نازلة بهذا الموضع وأهلنا نازلون بهذه المواضع.

حُيّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ … أقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الْهَيْثَمِ

الإقواء والإقفار: الخلاء، جمع بينهما لضرب من التأكيد

جمع بين النأي والبعد لضرب من التأكيد. أم الهيثم: كنية عبلة.

يقول: حييت من جملة الأطلال، أن خُصِّصْتَ بالتحية من بينها، ثم أخبر أنه قدم عهده بأهله وقد خلا عن السكان بعد ارتحال حبيبته عنه.

حَلّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ فأصْبَحَتْ … عَسِرًا عَلَيّ طِلابُكَ ابنَةَ مَخْرَمِ

الزائرون: الأعداء، جعلهم يزأرون زئير الأسد، شبه توعدهم وتهددهم بزئير الأسد.

يقول: نزلت الحبيبة بأرض أعدائي فعسر عليّ طلبها، وأضرب عن الخبر في الظاهر إلى الخطاب، وهو شائع في الكلام،

عُلّقْتُهَا عَرَضًا وَأَقْتُلُ قَوْمَهَا … زَعْمًا لعَمْرُ أبيكَ لَيسَ بِمَزْعَمِ

قوله: عرضًا، أي فجأة من غير قصد له. التعليق هنا: التفعيل من العَلَق والعلاقة وهما العشق والهوى، يقال: علِق فلان بفلانة، إذا كَلِف بها عَلَقًا وعلاقة.

العَمْر والعُمْر، بفتح العين وضمها: الحياة والبقاء، ولا يستعمل في القسم إلا بفتح العين. الزَّعم: الطمع. والمزعم: المطمع.

يقول: عشقتها وشغفت بها مفاجأة من غير قصد مني، أي نظرت إليها نظرة أكسبتني شغفًا وكلفًا مع قتلي قومها، أي مع ما بيننا من القتال، ثم قال: أطمع في حبك طمعًا لا موضع له؛ لأنه لا يمكنني الظفر بوصالك مع ما بين الحيين من القتال والمعاداة، والتقدير: أزعم زعمًا ليس بمزعم أقسم بحياة أبيك أنه كذلك.

وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ … مِنِّي بِمَنْزِلَةَ الْمُحِبِّ الْمُكْرَمِ

يقول: وقد نزلت من قلبي منزلة من يحب ويكرم فتيقّني هذا واعلميه قطعًا ولا تظني غيره.

كَيْفَ الْمَزَارُ وَقَدْ تَرَبّعَ أَهْلُهَا … بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالغَيْلَمِ

يقول: كيف يمكنني أن أزورها وقد أقام أهلها زمن الربيع بهذين الموضعين وأهلنا بهذا الموضع وبينهما مسافة بعيدة ومشقة مديدة؟ أي كيف يتأتى لها زيارتها وبين حلتي وحلتها مسافة؟ المزار في البيت: مصدر كالزيارة. التربع: الإقامة زمن الربيع.

إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّمَا … زُمّتْ رِكَابُكُمْ بِلَيْلٍ مُظْلِمِ

الإزماع: توطين النفس على الشيء. الركاب: الإبل، لا واحد لها من لفظها، وقال الفراء: واحدها ركوب مثل قلوص وقلاص.

يقول: وإن وطنت نفسك على الفراق وعزمت عليه فإني قد شعرت به بِزَمِّكم إبلكم ليلًا، وقيل: بل معناه قد عزمت على الفراق إبلكم قد زُمَّت بليل مظلم، فإن، على القول الأول حرف شرط، وعلى القول الثاني حرف تأكيد.

مَا رَاعَنِي إِلَّا حَمُولَةُ أَهْلِهَا … وَسْطَ الدّيارِ تَسَفّ حَبَّ الْخِمخِمِ

راعه روعًا: أفزعه. الحمولة: الإبل التي تطيق أن يحمل عليها. وسْطَ بتسكين السين، لا يكون إلا ظرفًا، والوسَط، بفتح السين، اسم لما بين طرفي الشيء. الخمخم: نبت تعلفه الإبل. السف والاستفاف معروفان.

يقول: ما أفزعني إلا استفاف إبلها حب الخمخم وسط الديار، أي ما أنذرني بارتحالها إلا انقضاء مدة الانتجاع والكلأ، فإذا انقضت مدة الانتجاع علمت أنها ترتحل إلى ديار حيّها.

فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً … سُودًا كخافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ

الحلوبة: جمع الحلوب عند البصريين، وكذلك قتوبة وقتوب وركوبة وركوب، وقال غيرهم: هي بمعنى محلوب، وفعول إذا كان بمعنى المفعول جاز أن تلحقه تاء التأنيث عندهم. الأسحم: الأسود. الخوافي من الجناح: أربع من ريشها، والجناح عند أكثر الأئمة: ستة عشر ريشة، أربع قوادم وأربع خوافٍ وأربع مناكب وأربع أباهر، وقال بعضهم: بل هي عشرون ريشة وأربع منها كُلى.

يقول: في حمولتها اثنتان وأربعون ناقة تحلب سودًا كخوافي الغراب الأسود، ذكر سوادها دون سائر الألوان لأنها أنفس الإبل وأعزها عندهم، وصف رهط عشيقته بالغنى والتموّل.

إِذْ تَسْتَبِيكَ بذي غُرُوبٍ وَاضِحٍ … عَذْبٍ مُقَبّلُهُ لَذِيذِ الْمَطْعَمِ

الاستباء والسبي واحد. غرب كل شيء: حدّه والجمع غُروب، الوضوح: البياض. المقبل: موضع التقبل. المطعم: الطعم.

يقول: إنما كان فزعك من ارتحالها حين تستبيك بثغر ذي حدة واضح عذب موضع التقبيل منه ولذ مطعمه، أراد بالغروب الأشر التي تكون في أسنان الشواب، وتحرير المعنى: تستبيك بذي أشر يستعذب تقبيله ويستلذ طعم ريقه.

وَكَأَنّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسيمَةٍ … سَبَقَتْ عَوَارِضَهَا إِلَيكَ من الفَمِ

أراد بالتاجر: العطار. سميت فارة المسك فارة لأن الروائح الطيبة تفور منها، والأصل فائرة فخففت فقيل فارة، كما يقال: رجل خائل مال وخال مال، إذا كان حسن القيام عليه، القسامة: الحسن والصباحة، والفعل قَسُم يَقْسُمُ، والنعت قسيم، والتقسيم والتحسين. العوارض من الأسنان معروفة. يقول: وكأن فارة مسك عطار بنكهة امرأة حسناء سبقت عوارضها إليك من فيها، شبه طيب نكهتها بطيب ريح المسك، أي تسبق نكهتها الطيبة عوارضها إذا رمت تقبيلها.

أَوْ رَوْضَةً أُنُفًا تَضَمّن نَبْتَهَا … غَيْثٌ قَليلُ الدِّمْنِ ليسَ بِمَعْلَمِ

روضة أُنُف: لم ترع بعد، وكأس أنف استؤنف الشرب بها، وأمر أنف مستأنف، وأصله كله من الاستئناف والائتناف وهما بمعنى. الدِّمَن والدِّمْن: جمع دمنة وهي السرجين.

يقول: وكأن فارة تاجر أو روضة لم ترع بعد وقد زكا نبتها وساقه مطر لم يكن معه سرجين، وليست الروضة بمعلم تطؤه الدواب والناس.

يقول: طيب نكهتها كطيب ريح فارة المسك أو كطيب ريح روضة ناضرة لم ترع، ولم يصبها سرجين ينقص طيب ريحها، ولا وطئتها الدواب فينقص نضرتها وطيب ريحها.

جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ … فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كالدّرْهَمِ

البَكر من السحاب: السابق مطره، والجمع الأبكار. الحُرَّة: الخالصة من البرد والريح. والحر من كل شيء: خالصه وجيده، ومنه طين حُرّ لم يخالطه رمل، ومنه أحرار البقول وهي التي تؤكل منها، وَحَرّ المملوك خلص من الرق، وأرض حرة لا خراج عليها، وثوب حر لا عيب فيه. ويروى: جادت عليه كل عين ثرة. العين: مطر أيام لا يقلع. والثرة والثرثارة: الكثيرة الماء، القرارة: الحفرة.

يقول: مطرت على هذه الروضة كل سحابة سابقة المطر لا برد معها، أو كل مطر يدوم أيامًا ويكثر ماؤه حتى تركت كل حفرة كالدرهم، لاستدارتها بالماء وبياض مائها وصفائه.

سَحًّا وَتَسْكابًا فَكُلَّ عَشِيّةٍ … يَجْرِي عَلَيهَا الْمَاءُ لَمْ يَتَصَرّمِ

السَّحُّ: الصّب والانصباب جميعًا والفعل سح يسح. التسكاب: السكب، يقال: سكبت الماء أسكبه سكبا فسكب هو يسكب سكوبا. التصرم الانقطاع.

يقول: أصابها المطر الجود صبًّا وسكبًا فكل عشية يجري عليها ماء السحاب ولم ينقطع عنها.

وَخَلَا الذُّبابُ بِهَا فَلَيْسَ بِبَارحٍ … غَرِدًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ الْمُتَرَنِّمِ

البراح: الزوال، والفعل برح يبرح. التغريد: التصويت، والفعل غرّد، والنعت غُرِدٌ. الترنم: ترديد الصوت بضرب من التلحين.

يقول: وخلت الذباب بهذه الروضة فلا يزايلنها ويصوتن تصويت شارب الخمر حين رجع صوته بالغناء، شبه أصواتها بالغناء.

هَزِجًا يَحُكّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ … قَدْحَ الْمُكِبّ عَلَى الزّنادِ الأَجْذَمِ

هزجًا: مصوّتًا. المكب: المقبل على الشيء. الأجذم: الناقص اليد.

يقول: يصوّت الذباب حال حكِّه إحدى ذراعيه بالأخرى مثل قدح رجل ناقص اليد النار من الزندين. لما شبه طيب نكهة هذه المرأة بطيب نسيم الروضة بالغ في وصف الروضة وأمعن في نعتها ليكون ريحها أطيب ثم عاد إلى النسيب فقال:

تُمْسِي وَتُصْبحُ فَوْقَ ظَهْرِ حشيّةٍ … وَأَبِيتُ فَوْقَ سَرَاةِ أَدهَمَ مُلجِمِ

السراة: أعلى الظهر.

يقول: تصبح وتمسي فوق فراش وطيء وأبيت أنا فوق ظهر فرس أدهم ملجم، يقول: هي تتنعم وأنا أقاسي شدائد الأسفار والحروب.

وَحَشِيّتِي سَرْجٌ على عَبْلِ الشَّوَى … نَهْدٍ مَرَاكِلُهُ نبيلِ الْمَحْزِمِ

الحشية من الثياب: ما حشي بقطن أو صوف أو غيرهما، والجمع الحشايا. العبل: الغليظ، والفعل عبل عبالة. الشوى: الأطراف والقوائم. النهد: الضخم المشرف. المراكل: جمع المركل وهو موضع الركل، والركل: الضرب بالرجل، وافعل رَكَلَ يَرْكُل. النبيل: السمين، ويستعار للخير والشر لأنهما يزيدان على غيرهما زيادة السمين على الأعجف. المحزم: موضع الحزام من جسد الدابة.

يقول: وحشيتي سرج على فرس غليظ القوائم والأطراف ضخم الجنبين منتفخهما سمين موضع الحزام، يريد أنه يستوطئ سرج الفرس كما يستوطئ غيره الحشية، ويلازم ركوب الخيل لزوم غيره الجلوس على الحشية والاضطجاع عليها، ثم وصف الفرس بأوصاف يحمدونها وهي: غلظ القوائم وانتفاخ الجنبين وسمنهما.

هَلْ تُبْلِغَنّي دارَهَا شَدَنِيّة … لُعِنَتْ بِمَحْرُومِ الشَّرَابِ مُصَرَّمِ

شدن: أرض أو قبيلة تنسب الإبل إليها. أراد بالشراب اللبن. التصريم: القطع. يقول: هل تبلغنّي دار الحبيبة ناقة شدنية لعنت ودعي عليها بأن تحرم اللبن ويقطع لبنها، أي لبعد عهدها باللقاح، كأنها قد دعي عليها بأن تحرم فاستجيب ذلك الدعاء، وإنما شرط هذا لتكون أقوى وأسمن وأصبر على معاناة شدائد الأسفار لأن كثرة الحمل والولادة تكسبها ضعفًا وهزالًا.

خَطّارَةٌ غِبَّ السُّرَى زَيّافَةٌ … تَطِسُ الإكامَ بوَخذِ خُفّ مِيثَمِ

خطر البعير بذنبه يخطر خطْرًا وخطرانًا إذا شال به. الزيَف: التبختر: والفعل زاف يزيف. الوطس والوثم: الكسر.

يقول: هي رافعة ذنبها في سيرها مرحًا ونشاطًا بعدما سارت الليل كله متبخترة تكسر الإكام بخفها الكثير الكسر للأشياء. ويروى: بذات خف، أي برجل ذات خف، ويروى: بوخد خف. الوخد والوخدان: السير السريع. الميثم: للمبالغة كأنه آلة الوثم، كما يقال: رجل مِسعر حرب وفرس مِسَحّ، كأن الرجل آلة لسعر الحروب والفرس آلة لسحّ الجري.

وَكَأنَّما تَطِسُ الإكامَ عَشِيَّةً … بِقَرِيبِ بَيْنَ الْمَنْسَمَيْنِ مُصَلَّمِ

الْمُصَلَّمِ: من أوصاف الظليم لأنه لا أذن له، والصلم الاستئصال، كأن أذنه استؤصلت.

يقول: كأنما تكسر الإكام لشدة وطئها عشية بعد سرى الليل وسير النهار كظليم قرب ما بين منسميه ولا أذن له، شبهها في سرعة سيرها بعد سرى ليلة ووصل سير يوم به بسرعة سير الظليم، ولما شبهها في سرعة السير بالظليم أخذ في وصفه فقال:

تأوي لَهُ قُلُصُ النَّعَامِ كَمَا أَوَتْ … حِزَقٌ يَمَانِيَةٌ لأَعْجَمَ طِمْطِمِ

القلوص من الإبل والنعام: بمنزلة الجارية من الناس، والجمع قلص وقلائص. يقال: أوى يأوي أويًا، أي انضم، ويوصل بإلى يقال: أويت إليه وإنما وصلها باللام لأنه أراد: تأوي إليه قلص له. الحزق: الجماعات، والواحدة حزقة وكذلك الحزيقة، والجمع حزيق، وحزائق، الطِمْطِم: الذي لا يفصح أي العَيُّ الذي لا يفصح وأراد بالأعجم الحبشي.

يقول: تأوي إلى هذا الظليم صغائر النعام كما تأوي الإبل اليمانية إلى راع أعجم عَيِيٍّ لا يفصح، شبه الظليم في سواده بهذا الراعي الحبشي، وقلص النعام بإبل يمانية لأن السواد في إبل اليمانيين أكثر، وشبه أُوِيَّها إليه بأُوِيِّ الإبل إلى راعيها ووصفه بالعِيِّ والعجمة لأن الظليم لا نطق له.

يَتْبَعْنَ قُلّةَ رَأْسِهِ وَكَأَنَّهُ … حِدْجٌ عَلَى نَعْشٍ لَهُنَّ مُخَيَّمِ

قلة الرأس: أعلاه. الحدج: مركب من مراكب النساء. النعش: الشيء المرفوع، والنعش بمعنى المنعوش. المخيم: المجعول خيمة.

يقول: تتبع هؤلاء النعام أعلى رأس هذا الظليم، أي جعلته نصب أعينها لا تنحرف عنه، ثم شبه خلقه بمركب من مراكب النساء جعل كالخيمة فوق مكان مرتفع.

صَعْلٍ يَعودُ بِذِي العُشَيْرَةِ بَيضَهُ … كالعبدِ ذي الفَرْوِ الطَّويلِ الأَصْلَمِ

الصعل والأصعل: الصغير الرأس، يعود: يتعهد. الأصلم: الذي لا أذن له، شبه الظليم بعبد ليس فروًا طويلًا ولا أذن له لأنه لا أذن للنعام، وشرط الفرو الطويل

ليشبه جناحيه، وشرط العبد لسواد الظليم، وعبيد العرب السودان، ذو العشيرة: موضع، ثم رجع إلى وصف ناقته فقال:

شَرِبتْ بِمَاءِ الدُّحْرُضَيْنِ فأصْبَحَتْ … زَوْرَاءَ تَنفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيلمِ

الزَّوَر: الميل، والفعل زَوِرَ يَزْوَرُّ، والنعت أزور، والأنثى زوراء، والجمع زور. مياه الديلم: مياه معروفة، وقيل: العرب تسمي الأعداء ديلمًا؛ لأن الديلم صنف من أعدائها.

يقول: شربت هذه الناقة من مياه هذا الموضع، فأصبحت مائلة نافرة عن مياه الأعداء.

وَكَأَنَّمَا تَنْأَى بِجَانِبِ دَفّها الـ … وَحْشِيّ من هَزِجِ العشيّ مُؤوَّمِ

الدَّفُّ: الجنب. الجانب الوحشي: اليمين، وسمي وحشيًّا لأنه لا يركب من ذلك الجانب ولا ينزل. الهزج: الصوت والفعل هزج يهزج، والنعت هَزِجٌ. المؤوَّم: القبيح الرأس العظيمة، قوله: من هزج العشي، أي من خوف هزج العشي، فحذف المضاف، والباء في قوله بجانب دفها للتعدية.

يقول: كأن هذه الناقة تبعد وتنحي الجانب الأيمن منها من خوف هِرٍّ عظيم الرأس قبيحه، وجعله هزج العشي لأنهم إذا تعشوا فإنه يصيح على هذا الطعام ليطعم، يصف هذه الناقة بالنشاط في السير وأنها لا تستقيم في سيرها نشاطًا ومرحًا، فكأنها تنحي جانبها الأيمن خوف خدش سِنَّور إياه، وقيل: بل أراد أنها تنحيه وتبعده مخافة الضَّرب بالسوط فكأنها تخاف خدش سِنَّور جانبها الأيمن.

هِرّ جَنيب كُلَّمَا عَطَفَتْ لَهُ … غَضْبَى اتّقَاهَا باليَديَنِ وبالفَمِ

هِرّ: بدل من هزج العشي. جنيب أي مجنوب إليها أي مقود. اتّقاها أي استقبلها.

يقول: تتنحى وتتباعد من خوف سنور كلما انصرفت الناقة غضبى لتعقره استقبلها الْهِرّ بالخدش بيده والعض بفمه، يقول: كلما أمالت رأسها إليه زادها خدشًا وعضًا.

بَرَكَتْ عَلَى جَنْبِ الرّدَاعِ كَأَنَّمَا … بَرَكَتْ عَلَى قَصَبٍ أجشّ مُهضَّمِ

رداع: موضع. أجش: له صوت. مهضم أي مكسَّر.

يقول: كأنما بركت هذه الناقة وقت بروكها على جنب الرّداع على قصب مكسر له صوت، شبه أنينها من كلالها بصوت القصب المكسر عند بروكها عليه، وقيل: بل شبه صوت تكسر الطين اليابس الذي نضب عنه الماء بصوت تكسّر القصب.

وكأنَّ رُبًّا أَوْ كُحَيْلًا مُعْقَدًا … حَشَّ الوَقُودُ بهِ جَوانبَ قُمقُمِ

الربّ: الطلاء. الكحيل: الطقران. عقد الدواء: أغليته حتى خثَر. حشّ النّار يحشها حشًا: أوقدها. الوقود: الحطب، والوُقود بضم الواو: الإيقاد، شبه العرق السائل من رأسها وعنقها برُبٍّ أو قطران جعل في قمقم أوقدت عليه النار، فهو يترشح به عند الغليان، وعرق الإبل أسود لذلك شبهه بهما، وشبّه رأسها بالقمقم في الصلابة؛ وتقدير البيت: وكأنها ربًّا أو كحيلًا حُشّ الوقود بإغلائه في جوانب قمقم عرقها الذي يترشح منها.

يَنْباعُ من ذِفْرَى غضُوبٍ جَسْرَةٍ … زَيّافَةٍ مِثْلَ الفَنيقِ الْمُكْدَمِ

أراد ينبع فأشبع الفتحة لإقامة الوزن فتولدت من إشباعها ألف، ومثله قولنا: آمين والأصل أمين، فأشبعت الفتحة فتولدت من إشباعها ألف، يدلك عليه أنه ليس في كلام العرب اسم جاء على فاعيل، وهذه اللفظة عربية بالإجماع، ومنهم من جعله ينفعل من البوع وهو طيّ المسافة. الذِّفرى: ما خلف الأذن. الجسرة: الناقة الموثقة الخلق. الزيف: التبختر والفعل زاف يزيف. الفنيق: الفحل من الإبل.

يقول: ينبع هذا العرق من خلف أذن ناقة غضوب موثقة الخلق شديدة التبختر في سيرها، مثل فحل من الإبل قد كدمته الفحول، شبهها بالفحل في تبخترها ووثاقة خلقها وضخمها.

إنْ تُغْدِفِي دُونِي القِنَاعَ فَإِنَّنِي … طَبٌّ بأخْذِ الفارِسِ الْمُسْتَلْئِمِ

الإغداف: الإرخاء. طَبٌّ: حاذق عالم. استلأم: لبس اللأمة.

يقول مخاطبًا عشيقته: إن ترخي وترسلي دوني القناع، أي تستتري عني، فإني حاذق بأخذ الفرسان الدارعين، أي لا ينبغي لك أن تزهدي فِيّ مع نجدتي وبأسي وشدة مراسي، وقيل: بل معناه إذا لم أعجز عن صيد الفرسان الدارعين فكيف أعجز عن صيد أمثالك؟

أَثْنِي عَلَيّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي … سَمْحٌ مُخَالَقَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَمِ

الْمخالفة: مفاعلة من الخلق.

يقول: أثني علي أيتها الحبيبة بما علمت من محامدي ومناقبي فإني سهل المخالطة والمخالقة إذا لم يهضم حقي ولم يبخس حظي.

وَإِذَا ظُلِمْتُ فَإِنّ ظُلْمِي بَاسِلٌ … مُرٌّ مَذَاقَتُهُ كَطَعْمِ العَلْقَمِ

باسل: كريه، ورجل باسل شجاع، والبسالة الشجاعة.

يقول: وإذا ظلمت وجدت ظلمي كريهًا مُرًّا كطعم العلقم، أي من ظلمني عاقبته عقابًا بالغًا يكرهه كما يكره طعم العلقم من ذاقه.

وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ الْمُدَامَةِ بَعْدَمَا … رَكَدَ الْهَوَاجِرُ بِالْمَشُوفِ الْمُعْلَمِ

ركد: سكن. الهواجر: جمع الهاجرة وهي أشد الأوقات حرًّا. المشوف: المجلوّ. المدام والمدامة: الخمر، سميت بها لأنها أديمت في دِنّها.

يقول: ولقد شربت من الخمر بعد اشتداد حرِّ الهواجر وسكونه بالدينار المجلوّ المنقوش، يريد أنه اشترى الخمر فشربها، والعرب تفتخر بشرب الخمر والقمار، لأنها من دلائل الجود عندها.

قوله: بالمشوف، أي بالدينار، فحذف الموصوف ومنهم من جعله من صفة القدح وقال: أراد بالقدح المشوف.

بزُجَاجَةٍ صَفْرَاءَ ذاتِ أَسِرّةٍ … قُرِنَتْ بِأَزْهَرَ فِي الشّمالِ مَفَدَّمِ

الأَسِرَّة: جمع السر والسرر، وهما الخط من خطوط اليد والجبهة وغيرهما، وتجمع أيضًا على الأسرار ثم تجمع على أسارير. بأزهر أي: بإبريق أزهر. مفدّم: مسدود الرأس بالفِدام.

يقول: شربتها بزجاجة صفراء عليها خطوط قرنتها بإبريق أبيض مسدود الرأس بالفدام لأصب الخمر من الإبريق في الزجاجة.

فَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ … مَالِي وَعْرِضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ

يقول: فإذا شربت الخمر فإنني أهلك مالي بجودي ولا أشين عرضي، فأكون تام العرض مهلك المال لا يَكْلِم عرضي عيب عائب، يفتخر بأن سكره يحمله على محامد الأخلاق ويكفه عن المثالب.

وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصّرُ عن نَدَىً … وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكرُّمِي

يقول: وإذا صحوت من سكري لم أقصّر عن جودي، أي يفارقني السكر ولا يفارقني الجود، ثم قال: وأخلاقي وتكرمي كما علمت أيتها الحبيبة، افتخر بالجود ووفور العقل إذ لم ينقص السكر عقله. وهذان البيتان قد حكم الرواة بتقدمهما في بابهما.

وَحَلِيلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلًا … تَمكو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأَعْلَمِ

الحليل: بالمهملة: الزوج والحليلة الزوجة، وقيل في اشتقاقهما: إنهما من الحلول فسميا بهما لأنهما يحلان منزلًا واحدًا وفراشًا واحدًا، فهو على هذا القول فعيل بمعنى مفاعل، مثل شريب وأكيل ونديم بمعنى مشارب ومؤاكل ومنادم، وقيل: بل هما مشتقان من الحلّ لأن كلًّا منهما يحل لصاحبه، فهو على هذا القول فعيل

بمعنى مفعل مثل الحكيم بمعنى المحكم، وقيل: بل هما مشتقان من الحل، وهو على هذا القول، فعيل بمعنى فاعل، وسميا بهما لأن كلًّا منهما يحل إزار صاحبه. الغانية: ذات الزوج من النساء لأنها غنيت بزوجها عن الرجال؛وقيل: بل الغانية البارعة الجمال المستغنية بكمال جمالها عن التزين، وقيل: الغانية المقيمة في بيت أبويها لم تُزوَّج بعد، من غني بالمكان إذا أقام به، وقال عمارة بن عقيل: الغانية الشابة الحسناء التي تعجب الرجال ويعجبها الرجال، والأحسن القول الثاني والرابع. جدّلته: ألقيته على الْجَدالة، وهي الأرض، فتجدَّلَ أي سقط عليها. المكاء: الصفير. العَلَم: الشق في الشفة العليا.

يقول: ورُبَّ زوج امرأة بارعة الجمال مستغنية بجمالها عن التزين قتلته وألقيته على الأرض، وكانت فريصته تمكو بانصباب الدم منها كشدق الأعلم، قال أكثرهم: شبه سعة الطعن بسعة شدق الأعلم، وقال بعضهم: بل شبه صوت انصباب الدم بصوت خروج النفس من شدق الأعلم.

سَبَقَتْ يَدَايَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ … وَرَشَاشِ نَافِذَةٍ كَلَوْنِ العَنْدَمِ

العندم: دم الأخوين، وقيل: بل هو البقم، وقيل شقائق النعمان.

يقول: طعنته طعنة في عجلة ترش دمًا من طعنة نافذة تحكي لون العندم.

هَلّا سَأَلْتِ الْخَيْلَ يَابْنَةَ مَالِكٍ … إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي

يقول: هل سألت الفرسان عن حالي في قتالي إن كنت جاهلة بها؟

إِذْ لَا أَزَالُ على رِحَالَةِ سَابِحٍ … نَهْدٍ تَعَاوَرُهُ الكُمَاةُ مُكَلَّمِ

التعاور: التداول، يقال: تعاوروه ضربًا جعلوا يضربونه على جهة التناوب، وكذلك الاعتوار. الكَلْم: الْجَرح، والتَّكليم التَّجريح.

يقول: هلا سألت الفرسان عن حالي إذا لم أزل على سرج فرس سابح تناوب الأبطال في جرحه، أي جرحه كلّ منهم، ونهد من صفة السابح وهو الضخم.

طَوْرًا يُجَرَّدُ للطّعانِ وتَارَةً … يَأْوِي إِلَى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْرَمِ

الطور: التارة والمرّة، والجمع الأطوار.

يقول: مرة أجرده من صف الأولياء لطعن الأعداء وضربهم وأنضم مرة إلى قوم محكمي القسي، كثير، يقول: مرة أحمل عليه على الأعداء فأحسن بلائي وأنكي فيهم أبلغ نكاية، ومرة أنضم إلى قوم أحكمت قسيهم وكثر عددهم، أراد أنهم رماة مع كثرة عددهم. العرمرم: الكثير. حصِد الشيء حصدًا إذا استحكم، والإحصاد: الإحكام.

يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ أَنَّنِي … أَغْشَى الوغى وَأَعِفّ عِندَ الْمَغْنَمِ

يخبرك: مجزوم لأنه جواب هلا سألت. الوقعة والوقيعة: اسمان من أسماء الحروب، والجمع الوقعات والوقائع. الوغى: أصوات أهل الحرب ثم استعير للحرب. المغنم والغُنْمُ والغنيمة واحد.

يقول: إن سألت الفرسان عن حالي في الحرب يخبرك من حضر الحرب بأني كريم عالي الهمة آتي في الحروب وأعف عن اغتنام الأموال.

ومُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُمَاةُ نِزَالَهُ … لا مُمْعِنٍ هَرَبًا وَلا مُسْتَسْلِمِ

المدجَّج والمدجِّج: التام السلاح. الإمعان: الإسراع في الشيء والغلو فيه. الاستسلام: الانقياد والاستكانة.

يقول: ورب رجل تام السلاح كانت الأبطال تكره نزاله وقتاله لفرط بأسه وصدق مراسه، لا يسرع في الهرب إذا اشتد بأس عدوه، ولا يستكين له إذا صدق مراسه.

جَادَتْ لَهُ كَفِّي بِعَاجِلِ طَعنَةٍ … بِمُثَقَّفٍ صَدْقِ الكُعوبِ مُقَوَّمِ

يقول: جادت يدي له بطعنة عاجلة برمح مُقَوَّم صلب الكعوب، والبيت جواب ربّ المضمر بعد الواو في: ومدجَّج. قوله: بعاجل طعنة، قدم الصفة على الموصوف ثم أضافها إليه، تقديره: بطعنة عاجلة. الصدق: الصلب.

فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثيابَهُ … لَيسَ الكَريمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ

الشكُّ: الانتظام، والفعل شَكَّ يشُكُّ، الأصمّ: الصَّلب.

يقول: فانتظمت برمحي الصلب ثيابه، أي طعنته طعنة أنفذت الرمح في جسمه وثيابه كلها، ثم قال: ليس الكريم محرمًا على الرماح، يريد أن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الإقدام، وقيل: بل معناه أن كرمه لا يخلصه من القتل المقدر له.

فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السّباعِ يَنُشْنَهُ … يَقضِمْنَ حُسنَ بَنانِهِ والْمِعْصَمِ

الجزر: جمع جَزَرَة وهي الشاة التي أعدت للذبح. النَّوْشُ: التناول، والفعل ناش ينوش نوشًا. القضم: الأكل بمقدم الأسنان، والفعل قضم يقضم.

يقول: فصيرته طعمة للسباع كما يكون الجزر طعمة للناس، ثم قال: تتناوله السباع وتأكل بمقدم أسنانها بنانه الحسن ومعصمه الحسن، ويريد أنه قتله فجعله عرضة للسباع حتى تناولته وأكلته.

وَمِشَكِّ سَابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوجَهَا … بالسّيفِ عَنْ حامي الْحَقيقةِ مُعلِمِ

السابغة: الدرع الواسعة. المشكّ: الدرع التي قد شُكَّ بعضها إلى بعض، وقيل: مساميرها، يشير إلى أنه الزَّرَد، وقيل: الرجل التام السلاح. الحقيقة: ما يحق عليك حفظه أي يجب. المعلم، بكسر اللام: الذي أعلم نفسه أي شهرها بعلامة يعرف بها في الحروب حتى ينتدب الأبطال لبرازه، والمعلَم، بفتح اللام: الذي يشار إليه ويدل عليه بأنه فارس الكتيبة وواحد السرية.

يقول: وربّ مِشكّ درع، أي رب موضع انتظام درع واسعة، شققت أوساطها بالسيف عن رجل حام له يجب عليه حفظه، شاهرٍ نفسه في حومة الحرب أو مشار إليه فيها، يريد أنه هتك مثل هذه الدرع مثل هذا الشجاع فكيف الظن بغيره.

رَبِذٍ يَداهُ بالقِداحِ إِذَا شَتَا … هَتّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوَّمِ

الرَّبِذ: السريع. شتا: دخل في الشتاء، يشتو شتوًا. الغاية: راية ينصبها الخمار

ليعرف مكانه بها. أراد بالتجار الخمارين. الملوم: الذي ليم مرة بعد أخرى. والبيت كله من صفة حامي الحقيقة.

يقول: هتكت الدرع عن رجل سريع اليد خفيفها في إجالة القداح في الميسر في برد الشتاء، وخصّ الشتاء؛ لأنهم يكثرون الميسر فيه لتفرّغهم، وعن رجل يهتك رايات الخمارين، أي كان يشتري جميع ما عندهم من الخمر حتى يقلعوا راياتهم لنفاد خمرهم، ملوم على إمعانه في الجود وإسرافه في البذل، وهذا كله من صفة حامي الحقيقة.

لَمَّا رَآنِي قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ … أَبْدَي نَوَاجِذَهُ لِغَيرِ تَبَسُّمِ

يقول: لَمّا رآني هذا الرجل نزلت عن فرسي أريد قتله كشر عن أسنانه غير متبسم، أي لفرط كلوحه من كراهية الموت قلصت شفتاه عن أسنانه، وليس ذلك لتكلم ولا لتبسّم ولكن من الخوف.

ويروى: لغير تكلم.

عَهْدِي بِهِ مَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا … خُضِبَ البَنَانُ وَرَأْسُهُ بالعِظْلَمِ

مد النهار: طوله. العظلم: نبت يختضب به. العهد: اللقاء، يقال: عهدته أعهده عهدًا إذا لقيته. يقول: رأيته طول النهار وامتداده بعد قتلي إياه وجفاف الدم عليه كأنّ بنانه ورأسه مخضوبان بهذا النبت.

فَطَعَنْتُهُ بالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ … بِمُهَنَّدٍ صافي الْحَدِيدَةِ مِخذَمِ

المخذم: السريع القطع.

يقول: طعنته برمحي حين ألقيته من ظهر فرسه ثم علوته مع سيف مهند صافي الحديد سريع القطع.

بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ … يُحْذَى نِعَالَ السَّبْتِ لَيْسَ بتَوْأَمِ

السرحة: الشجرة العظيمة. يحذى أي تجعل حذاء له، والحذاء: النعل، والجمع الأحذية.

يقول: وهو بطل مديد القد كأن ثيابه ألبست شجرة عظيمة من طول قامته واستواء خلقه، تجعل جلوس البقر المدبوغة بالقرظ نعالًا له، أي تستوعب رجلاه السِّبتَ، ولم تحمل أمه معه غيره، بالغ في وصفه بالشدة والقوة بامتداد قامته وعظم أعضائه وتمام غذائه عند إرضاعه إذ كان فذًّا غير توأم.

يا شاةَ مَا قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ … حَرُمَتْ عَلَيّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ

ما: صلة زائدة. الشاة: كناية عن المرأة.

يقول: يا هؤلاء اشهدوا شاة قنص لمن حلت له فتعجبوا من حسنها وجمالها، فإنها قد حازت أتم الجمال، والمعنى: هي حسناء جميلة مَقْنَع لمن كَلِفَ بِهَا وشغف بحبها، ولكنها حرمت عليّ وليتها لم تحرم عليّ، أي ليت أبي لم يتزوجها حتى كان يحل لي تزوجها، وقيل: أراد بذلك أنها حرمت عليه باشتباك الحرب بين قبيلتيهما ثم تمنى بقاء الصلح.

فَبَعَثْتُ جَارِيَتِي فَقُلْتُ لَهَا اذْهَبِي … فَتَجَسَّسِي أخبارَها لِي وَاعْلَمِي

يقول: فبعثت جاريتي لتتعرف أحوالها لي.

قَالَتْ: رَأَيْتُ مِنَ الأَعَادِي غِرَّةً … وَالشَّاةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ هوَ مُرْتَمِ

الغِرّة: الغفلة، رجل غِرٌّ غافل لم يجرب الأمور.

يقول: فقالت جاريتي لَمّا انصرفت لي: صادفت الأعادي غافلين عنها ورمي الشاة ممكن لمن أراد أن يرتميها، يريد أن زيارتها ممكن لطالبها لغفلة الرقباء والقرناء عنها.

وَكَأَنَّمَا الْتَفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايَةٍ … رَشَأٍ مِنَ الغِزْلانِ حُرٍّ أَرْثَمِ

الْجِداية والْجَداية: ولد الظبية، الجمع الجدايا، الرشأ: الذي قوي من أولاد الظباء. والغزلان جمع الغزال. الْحُرُّ من كل شيء: خالصه وجيِّده. الأرثم: الذي في شفته العليا وأنفه بياض.

يقول: كَأنّ “التفاتها إلينا في نظرها” التفات ولد ظبية هذه صفته في نظره.

نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شَاكِرِ نِعْمَتِي … والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لنَفسِ الْمُنْعِمِ

التنبئة والتنبيء: مثل الإنباء وهذه من سبعة أفعال تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي: أُعلمتُ وأُريتُ وأُنبأتُ ونُبِّئْتُ وأُخبرتُ وخُبِّرْتُ وحُدِّثْتُ، وإنما تعددت الخمسة التي هي غير أعلمت وأريت إلى ثلاثة مفاعيل لتضمنها معنى أعلمت.

يقول: أعلمت أنَّ عمرًا لا يشكر نعمتي، وكفران النعمة ينفّر نفسَ المنعم عن الإنعام، فالتاء في نبئت هو المفعول الأول قد أقيم مقام الفاعل وأسند الفعل إليه، وعمرًا هو المفعول الثاني، وغير هو المفعول الثالث.

وَلَقَدْ حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمّي بالضّحَى … إِذْ تَقْلِصُ الشّفتانِ عَنِ وَضَحِ الفَمِ

الوصاة والوصية شيء واحد. وضَحُ الفم: الأسنان. القُلوص: التشنج والقِصر. يقول: ولقد حفظت وصيّة عمي إياي فاقتحامي القتال ومناجزتي الأبطال في أشد أحوال الحرب، وهي حالة تقلص الشفاه عن الأسنان من شدة كلوح الأبطال والكماة فرقًا من القتل.

في حَوْمَةِ الْحَرِبِ التي لا تَشْتَكِي … غَمَرَاتِها الأبطالُ غَيْرَ تَغَمْغُمِ

حومة الحرب: معظمها وهي حيث تحوم الحرب أي تدور، وغمرات الحرب: شدائدها التي تغمر أصحابها، أي تغلب قلوبهم وعقولهم. التغمغم: صياح ولجب لا يفهم منه شيء.

يقول: ولقد حفظت وصية عمي في حومة الحرب التي لا تشكوها الأبطال إلا بجلبة وصياح.

إِذْ يَتّقُونَ بِيَ الأَسِنّةَ لم أَخِمْ … عَنْها وَلَكِنّي تَضَايَقَ مُقْدَمِي

الاتقاء: الحجر بين الشيئين، تقول: أتقيت العدو بترسي، أي جعلت الترس حاجزًا بيني وبين العدو. الْخَيْمُ: الْجُبن. الْمَقدم: موضع الإقدام، وقد يكون الإقدام في غير هذا الموضع.

يقول: حين جعلني أصحابي حاجزًا بينهم وبين أسنة أعدائهم، أي قدموني وجعلوني في نحور أعدائهم، لم أجبن عن أسنتهم ولم أتأخر، ولكن قد تضايق موضع إقدامي، فتعذر التقدم فتأخرت لذلك.

لَمّا رَأَيْتُ القَومَ أَقْبَلَ جَمْعَهُمْ … يَتَذَامَرُونَ كَرَرْتُ غيرَ مُذَمَّمِ

التذامر تفاعل من الذمر وهو الحض على القتال.

يقول: لما رأيت جمع الأعداء قد أقبلوا نحونا يحض بعضهم بعضًا على قتالنا عطفت عليهم لقتالهم غير مذمم، أي محمود القتال غير مذمومه.

يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّمَاحُ كَأَنَّهَا … أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِ

الشطن: الحبل الذي يستقى به، والجمع الأشطان. اللبان: الصدر.

يقول: كانوا يدعونني في حال إصابة رماح الأعداء صدر فرسي ودخولها فيه، ثم شبهها في طولها بالحبال التي يستقى بها من الآبار.

مَا زِلْتُ أَرْميهِمْ بِثُغْرَةِ نَحْرِهِ … وَلَبَانِهِ حَتّى تَسَرْبَلَ بِالدَّمِ

الثغرة: الوقبة في أعلى النحر، والجمع الثُغَر.

يقول: لم أزل أرمي الأعداء بنحر فرسي حتى جرح وتلطخ بالدم وصار له بمنزلة السربال، أي عَمَّ جسده عموم السربال جسد لابسه.

فَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ القَنَا بِلَبَانِهِ … وَشَكَا إِلَيّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ

الازورار: الميل. التحمحم: من صهيل الفرس ما كان فيه شبه الحنين لِيَرِقَّ صاحبه له.

يقول: فمال فرسي مما أصابت رماح الأعداء صدره ووقوعها به وشكا إلي بعبرته وحمحمته، أي نظر إلي وحمحم لأرقَّ له.

لَوْ كَانَ يَدرِي مَا الْمُحَاوَرَةُ اشْتَكَى … وَلَكَانَ لَوْ عَلِمَ الكَلَامَ مُكَلِّمِي

يقول: لو كان يعلم الخطاب لاشتكى إلَيّ مما يقاسيه ويعانيه، وكلمني لو كان يعلم الكلام، يريد أنه لو قدر على الكلام لشكا إلَيّ مما أصابه من الجراح.

وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأذْهَبَ سُقْمَهَا … قِيلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أقدمِ

يقول: ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها قول الفوارس لي: ويلك يا عنترة أقدم نحو العدو واحمل عليه، يريد أن تعويل أصحابه عليه والتجاءهم إليه شفى نفسه ونفى غمه.

وَالْخَيْلُ تَقْتَحِمُ الْخَبَارَ عَوَابِسًا … مِنْ بَيْنِ شَيْظَمَةٍ وَأَجْرَدَ شَيْظَمِ

الخبار: الأرض اللينة. الشَّظِيم: الطويل من الخيل.

يقول: والخيل تسير وتجري في الأرض اللينة التي تسوخ فيها قوائمها بشدة وصعوبة وقد عبست وجوهها لما نالها من الإعياء، وهي لا تخلو من فرس طويل أو طويلة، أي كلها طويلة.

ذُلُلٌ رِكَابِي حَيثُ شِئْتُ مُشَايِعِي … لُبْتِي وَأَحْفِزُهُ بِأَمْرٍ مُبْرَمِ

ذُلُل: جمع ذَلول من الذل وهو ضد الصعوبة. الركاب: الإبل، لا واحد لها من لفظها عند جمهور الأئمة، وقال الفراء: إنها جمع ركوب مثل قلوص وقلاص ولقوح ولقاح. المشايعة: المعاونة، أخذت من الشياع وهو دقائق الحطب لمعاونته النار على الإيقاد في الحطب الجزل. الحفز: الدفع. الإبرام: الإحكام.

يقول: تذلّ إبلي لي حيث وجهتها من البلاد ويعاونني على أفعالي عقلي، وأمضي ما يقتضيه عقلي بأمر محكم.

وَلَقَدْ خَشيتُ بَأَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُر … للحَرْبِ دَائِرَةٌ عَلَى ابْنَي ضَمْضَمِ

الدائرة: اسم للحادثة، سميت بها لأنها تدور من خير إلى شر ومن شر إلى خير ثم استعملت في المكروهة دون المحبوبة.

يقول: ولقد أخاف أن أموت ولم تدر الحرب على ابني ضمضم بما يكرهانه، وهما حصين وهرم ابنا ضمضم.

الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتِمْهُمَا … والنَّاذِرَينِ إِذَا لَمَ الْقَهُمَا دَمِي

يقول: اللذان يشتمان عرضي ولم أشتمهما أنا، والموجبان على أنفسهما سفك دمي إذا لم أرهما، يريد أنهما يتواعدنه حال غيبته فأما في حال الحضور فلا يتجاسران عليه.

إِنْ يَفْعَلَا فَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَاهُمَا … جَزَرَ السِّبَاعِ وَكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَمِ

يقول: إن يشتماني لم أستغرب منهما ذلك؛ فإني قتلت أباهما وصيرته جزَر السباع وكل نسرٍ مُسِنٍّ.

 

عنترة بن شداد

عنترة بن شداد بن قراد العبسي (525م - 608م) هو أحد أشهر شعراء العرب في فترة ما قبل الإسلام، وأشتهر بشعر الفروسية، وله معلقة مشهورة. وهو أشهر فرسان العرب، وشاعر المعلقات والمعروف بشعره الجميل وغزله العفيف بعبلة.