بين الأمين وجلسائه – من كتاب العقد الفريد

تنفس محمد بن هارون الأمين يوما في مجلسه أيام الحصار، فالتفت إلى جليس له – وهو محمد بن سلّام صاحب المظالم – فقال له: ويحك يا محمد! أتراني؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول الشاعر:

ذَكَرَ الهوى فَتَنَفَّسَ المشتاقُ

وَبَدا عليه الذلُّ والإطراقُ

يا من يصيّرني لأصبر بعده

الصبر ليس يطيقه العشاق

فقال: لا واللَّه ما نكأتها. ثم التفت إلى جليس له آخر. فقال: ويحك! أتراني؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن الأحنف:

تذكرت بالريحان منك شمائلا

بالراح عذبا من مقبّلك العذب

فقال: لا واللَّه ما نكأتها ثم التفت إلى كوثر الخادم، فقال: ويحك، أتراني؟
فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن نفيلة الغساني:

إن كان دهر بني ساسان فرقهم

فإنما الدهر أطوار دهارير

وربما أصبحوا يوما بمنزلة

تهاب صولتها الأسد المهاصير

قال: صدقت!

ابن عبد ربه الأندلسي

أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه شاعر أندلسي، وصاحب كتاب العقد الفريد. أمتاز بسعة الاطلاع في العلم والرواية والشعر. كتب الشعر في الصب والغزل، ثم تاب وكتب أشعارًا في المواعظ والزهد سماها "الممحصات".