قصص من التاريخ

بين أسيد بن عنقاء الفزاري وعميله الفزاري

من كتاب زهر الآداب وثمر الألباب لـ الحُصري

وروى أبو بكر بن شُقَير النحوي عن أحمد بن عبيد قال: كان أُسيد بن عنقاء الفزاري مِنْ أكبر أهل زمانه، وأشدّهم عارضةً ولساناً، وطال عمرُه، ونكبَه دهرُه؛ فاختلّت حالُه، فخرج يتبقّل لأهله؛ فمرَّ عليه عُمَيلة الفزاري، فسلّم عليه، وقال: يا عمّ؛ ما أصارك إلى ما أرى؟ قال: بُخْلُ مثلك بماله، وصَوْنُ وجهي عن مسألة الناس.

قال: أما واللّه لئن بقيتُ إلى غدٍ لأغيرَن من حالك ما أرى، فرجع ابن عَنْقاء إلى أهله فأخبرهم بما قال عُميلة، فقالوا له: غرَّك كلامُ غلامٍ جُنْحَ ظلام فكأنما ألقموا فاهُ حجراً؛ فباتَ متَمَلْمِلاً بين رجاء ويأس، فلما كان السحَر سَمع رُغاء الإبل، وثُغَاء الشاء، وصهيل الخيلِ، ولَجَبَ الأموال، فقال: ما هذا؟ قالوا: عُمَيلة قد ساق إليك مالَه، فخرج ابن عنقاء له، فقسم مالَه شَطْرَين، وساهمَ عليه، فأنشأ ابن عنقاء يقول: الكامل:

رآني على ما بي عُمَيلةُ فاشتكى

إلى ماله حالِي، أَسَرَّ كما جَهَرْ

دعاني فواساني، ولو ضَنَّ لم يُلَمْ

على حينَ لا بَدْوٌ يُرَجَّى ولا حَضَرْ

فقلت له خيراً، وأَثنيت فِعْلَهُ

وأوفاك ما أوليت مَنْ ذَمّ أو شكرْ

ولمّا رأى المَجْدَ استُعيرتْ ثيابُهُ

تردّى بثوبٍ سابغ الذيل واتزَرْ

غلامٌ رماه الله بالحسن يافعاً

له سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البصرْ

كأنَّ الثريا عُلِّقَتْ في جبينهِ

وفي أنفه الشَعْرَى وفي خدِّه القمرْ

إذا قيلت العوراءُ أغْضى كأنهُ

ذليلٌ بلا دُلٍّ، ولو شاء لانتصرْ

— أُسيد بن عنقاء الفزاري

FavoriteLoading أضف إلى قائمة الاقتباسات المفضلة
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق