مقالات

الحب بعيون فيودور دوستويفسكي

“ثم إن الحب لسرٌّ رباني، ينبغي أن يظل في مأمن من كافة العيون الغريبة، مهما يحدث له. ذلك أدعى للتقديس، وهو أفضل وأجمل…”

عندما يتعلق الأمر بحديث الأدب، يكون هو أشبه ما يكون بالمحور، أو الثابت الذي تدور كل المتغيرات في فلكه.. خصصت تدويناتي الأسبوعية عبر مدونات الجزيرة للتعرف على عدد كبير من المبدعين ومناقشة مجموعة من الأعمال الأدبية المتنوعة من مختلف أنحاء العالم، لكنني أجدني في كل مرة مدفوعا بقوة خفية للعودة إليه، إلى راهب الأدب الروسي: فيودور دوستويفسكي..

سبق وأن تطرقت له مرتين، الأولى عندما حاولت الاقتراب من جزء بسيط من سيرة حياته الصعبة والمتقلبة، لكن بعيون زوجته ورفيقة دربه آنا غريغوريفنا التي كتبت مذكراتها ونشرتها بعد وفاته، والثانية عندما حاولت تقديم وصفة بسيطة لتسهيل الاطلاع التدريجي على مجمل أعماله، خاصة بين القراء المبتدئين الذين قد يجدون صعوبة في سبر أغوار ما كتب.

نعود في تدوينة هذا الأسبوع إلى دوستويفكي، لنتساءل: كيف نظر المبدع الروسي للحب كأسمى وأعظم المشاعر الإنسانية؟ وهل كانت لتجربته الشخصية مع الحب

آثار ملموسة في أعماله الخالدة التي تقرأ إلى يومنا هذا، بنفس الشغف، وفي جميع أنحاء العالم؟

تقول سيرة حياة فيودور دوستويفسكي إنه عاش الحب الكبير في حياته ثلاث مرات، بداية مع زوجته الأولى ماريا إيسايفا، التي تزوج منها بعد وفاة زوجها، وعاش معها سبع سنوات كاملة قبل موتها هي الأخرى، ولم يجد كلمات يلخص بها تلك الفترة سوى قوله: “لقد عشت معها عصرا كاملا”، كما أنه خلدها بتوظيف ملامح من شخصيتها في روايته الأشهر “الجريمة والعقاب”.

المرة الثانية كانت بعد تلقيه رسالة من شابة متقلبة الأهواء، اسمها أبوليناريا سوسلوفا، عبرت له فيها عن إعجابها بإبداعه الأدبي، ثم تطورت العلاقة وسافر فيودور للقاء بها، وعرض عليها الزواج، لكنها رفضته، مفضلة الارتباط بطالب إسباني شاب يدعى سلفادور، فلم يجد دوستويفسكي بدا من توظيف شخصيتها في روايته “الأبله” من خلال أناستاسيا فيليبوفنا إحدى بطلات الرواية، متسائلا في الآن ذاته: “أنا أبحث عن السعادة، ولكن، أين هي؟”.

يقولون إن الثالثة ثابتة، فكانت تجربته الأخيرة هي سعادته بالفعل، مع زوجته الثانية وأم أولاده: آنا غريغوريفنا سنيتكينا.

كان هو في السادسة والأربعين، بينما لم تتجاوز هي العشرين من عمرها عندئذ، شابة في مقتبل العمر، توفي والدها الذي يعمل خادما في بلاط القيصر، لا تتمتع بجمال أخاذ وإن عوضها القدر عن ذلك بذكاء متقد، فكانت قصة الحب الخالدة التي صمدت أمام كل المطبات؛ من مرض فيودور وفقره الشديد وإدمانه للقمار ووفاة ابنه الصغير، وهو ما سبق أن تحدثنا عنه في تدوينة سابقة.

عندما عكف سيغموند فرويد على تحليله النفسي لعلاقة الحب بين الرجل والمرأة، استند في جزء مهم من أبحاثه على أعمال فيودور دوستويفسكي الأدبية، لكنه عارض عددا كبيرا من النقاد والمحللين النفسيين في عصره، ممن اعتبروا أن روايات العبقري الروسي رجالية الطابع، بما يختلف عن آنا كارنينا لتولستوي ومادام بوفاري لفلوبير مثلا، وأن المرأة في أدب دوستويفسكي مجرد نقطة تحول في مسار الرجل، واعتبر فرويد أن الروسي حلل تلك العلاقة المعقدة بشكل أعمق بكثير، فنشر مقالة عن نمط الاختيار الموضوعاتي لدى الرجل، أو الشروط التي على أساسها يختار أي شخص حبيبة أو زوجة لإقامة علاقة حب، يمكن تلخيصها في أربعة محاور:

المحور الأول ما يسمى بالثالث المغبون، أو إصرار الرجل على تجاهل المرأة الحرة واختيار امرأة صعبة المنال، أي المرتبطة أصلا بزوج أو حبيب أو صديق، وهو ما ظهر في حياة دوستويفسكي نفسه من خلال قصة حبه الأول، وانتظاره وفاة الزوج السكير قبل التمكن من الزواج بماريا إيسايفا، وتجلى إبداعيا فيما بعد في الأبله والزوج الأبدي.

رواية الفقراء لـ “فيودور دوستويفسكي” (وسائل التواصل)

المحور الثاني يرى فيه فرويد أن المرأة العفيفة الطاهرة لا تحظى بتلك الجاذبية المثيرة لمشاعر الرجل كتلك التي تحظى بها من تحيط بحياتها الجنسية الشكوك، وقد ظهر ذلك في تكرار دوستويفسكي في أدبه للازمة الصراع بين الأب والابن على العاهرة، وتصويره في رواية الفقراء التي كتبها أصلا قبل دخوله في أية علاقة عاطفية لعلاقة الحب المجنون بين ماكار والفتاة التي تقول صراحة إنها “ربما لم تشأ أن تحمي شرفها وأن تدافع عنه!”.

المحور الثالث يتناول الوفاء الأشبه بالشعور القهري لدى المتصف بالصفتين السابقتين أو إحداهما على الأقل، ويتجدد هذا الوفاء المرضي مع كل تجربة جديدة وإن تغيرت الظروف والحيثيات المرافقة، ويتجلى ذلك في تجربة دوستويفسكي مع أبوليناريا التي لحق بها متنقلا بين أقطار أوروبية متعددة لمجرد تعبيرها عن الإعجاب بكتاباته، قبل أن تصدمه برفضها الزواج منه في نهاية المطاف، وكما أشرنا إلى ذلك في السابق، فقد ظهر تجسيد لهذه التجربة مع أناستاسيا اللعوب في رواية الأبله.

المحور الرابع يتعلق برغبة الرجل في إنقاذ محبوبته، وذلك مع اعتقاده الراسخ بأنها دوما بحاجة إليه، ويتجسد ذلك على سبيل المثال في المقامر، التي يدفع فيها فيودور بطله إلى التمسك بحب بولين، ويقينه التام بأنها تحتاجه، لا، بل تستنجد به.

خلاصة الأمر إذن، من خلال الربط بين سيرة الرجل الحياتية وأعماله الأدبية الخالدة، يقول دوستويفسكي إن كل حب لا يشتمل على امرأة سيئة السمعة، أو طرف ثالث مغبون، أو رغبة هائلة بالتضحية في سبيل من قد لا يستحق ذلك، هو حب مستحيل، لا وجود له!

منقول

FavoriteLoading أضف إلى قائمة الاقتباسات المفضلة
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق